تطوى على غرها ، بعد انقضاء أيامها ) ، ترك للتراجم في مجاهل لا يمكن للباحث ارتيادها إلا بجهد جهيد وليس بالأمر الهين تقليب صفحات جرائد ومجلات لا تحصى ، لأجل الظفر بترجمة رجل يراد ترجمته .
فلا بد من جمع التراجم في صعيد واحد ليسهل الإلمام بحالات الأمة السياسية والاجتماعية ، والأدبية والمدنية ، ليصيب الباحث في الحكم على كل شعب - من شعوب عصره - بالنهوض أو الهبوط ، عن علم بمراتب رجاله في الثقافة والرجولة والقيام بالواجب ، وعن اقتناع في الحكم ، متجردا عن كل هوى وشنآن . وأما التراجم ، الموصى عليها ، فتكون - في الغالب - عبارة عن رص مدائح ، بالإغضاء عن قبائح ، بعيدة عن الحقيقة فوجودها مع عدمها سواء .
فالقائم بتراجم أناس ( قد انطوت صفحات حياتهم ، وفاتهم إمكان الدفاع عن أنفسهم ، لدخولهم في ذمة التاريخ ) ، يكون نائبا عنهم في إنصافهم بدون استرسال في مدح أو قدح يبعد عن الاتجاه الأسمى في تدوين التاريخ . والمؤرخ ملزم بحكاية الواقع كما هو من غير أن يسعى في إبراز السيئة بمظهر الحسنة ، أو بخس حق الجميل ، بحمله على غرض غير مقبول . ومثل من يفعل ذلك كمثل مصور يرسم الهرم المتهدم في صورة الشاب القوي البنية ، أو يصور القبيحة الشوهاء كأنها غادة حسناء لهوى في نفسه . وإنما المطلوب في التاريخ تسجيل الحقيقة . ومن فعل خلاف هذا يكون مجرما أثيما أمام الأمة ، حيث حاول تعمية طرق الوصول إلى الحقائق .
* * * فمن الواجب على الأمم الناهضة أن لا يهملوا تراجم رجالهم ، بل عليهم أن يعنوا بتراجمهم عناية خاصة ، مع بيان ما لهم وما عليهم بكل صدق ، لا عن هوى ، لاتخاذ أرباب الكمال منهم - من أي عنصر كانوا - قدوة في القيام بالواجب والنهوض ، مع استنكار صنع المتقاعسين منهم عن أداء الواجب إيصالا لموضع العبر من أحوالهم إلى الخلف .
والقيام بتأليف كتاب جامع مانع ، في تراجم الرجال هكذا من أصعب الأمور ، إلا على من سهل اللّه له طرق السداد .
وصناعة بيع الكتب متجر رابح ربحا مزدوجا ، يمد بالمال والعلم في آن واحد ، إذا طال أمد اشتغال المرء بهذه الصناعة الشريفة ، وعرف انتهاز الفرض عند مطالعته الكتب ، في
الأعلام الشرقية في المائة الرابعة عشرة الهجرية — صفحة 6
مساهمون: زكي محمد مجاهد
ص٦