ويمكن ان نأخذ ثلاثة أمثلة لرجال أساء إليهم ابن معصوم وشنّع عليهم وتناولهم بالتجريح :
فقد ترجم لشاعر البطحاء إبراهيم بن يوسف المهتار المكي ( في السلافة ص 244 - 248 ) وعلى الرغم من أنه يعتبر من أبرع شعراء عصره في مكة إذ في شعره من الروعة والاتقان والبلاغة ما لا يمكن أن ينكره منكر ، فقد أساء ابن معصوم إليه وحطّ من قيمته الأدبية وتناول عرضه بالثلب والتجريح ولم يسلم منه حيا وميتا ، فقال عنه « شويعر بذيء اللسان ، وكثير الإساءة قليل الاحسان . . .
سمينه غث ، وجديده رث ، . . . لا يسمع رديئه سامع إلّا قال « فضّ اللّه فاه » . . .
حتى ألبسه الردى رداءه ، وطهر اللّه الوجود من تلك الجنابة والرداءة ، ولما هلك بقي يومين في بيته ، لا يعلم أحد بموته ، حتى دل عليه نتن ريحه ، فألقي وهو جيفة في ضريحه . ولقد تصفحت ديوانه الذي جمعه ، وليت من واراه حفرته واراه معه ، فلم أر فيه إلّا ما تمجّه الاسماع ، وتحقر ألفاظه ومعانيه عن السماع » .
ونقل المحبي في خلاصة الأثر 1 : 53 - 57 بعض ما قاله ابن معصوم ثم علّق على ذلك بقوله متحدثا عن المهتار المكي « وشعره إلى الاحسان أقرب . . . وليس الداعي إلى ما قاله ابن معصوم إلا التحامل والغرض » .
كما ترجم ابن معصوم في السلافة ص 230 - 234 لتقي الدين يحيى بن إسماعيل السنجاري المكي جد المؤرخ علي السنجاري صاحب كتاب منائح الكرم ، فأساء اليه وإلى أبنائه وقال عنهم « أديب قام به أدبه المكتسب ، إذ قعد به موروث الحسب والنسب ، فهو ابن نفسه العصامية إذا عدّت الآباء والجدود . . . فاجهد نفسه في تحصيل الأدب واكتسابه ، وغني عن شريف النسب بانتمائه إليه وانتسابه . . . فخلف من بعدهم خلف هدموا ما ابتناه ، وخضموا ما اقتناه ، فعادت إلى غير لميس ، وأصبحت عراتهم من الفضل بالعار تميس ، يدرجون في الاكمام والذيول ، وهم من الخسف بمدرج السّيول . . . يدلّون بالخطابة وهي طرفتهم ، ويأنفون من الحطابة وهي حرفتهم ، على أن أم جميل تستصرخ أبا لهبها ، من شركتهم في لقبها ، ولو وجدت سبيلا إلى اقتيادهم ، لجعلت حبل جيدها في أجيادهم . . . يرنّح عطفيه صلفا وقامته شبرا . . . وبلغني ان ابنه في هذا الأوان ، عطس عن أنف طالما جدع على الهوان . . . » .
ويورد المحبي في خلاصة الأثر 1 : 475 - 476 شيئا من هذه الترجمة ثم يعلّق على ذلك بقوله « قلت : وهذه الترجمة كانت أعظم أسباب التعرض لسبّ السلافة
التاريخ والمؤرخون بمكة — صفحة 381
مساهمون: محمد الحبيب الهيلة
ص٣٨١