تعود عادة الدفن في مدينة النجف الأشرف إلى العصر الراشدي ( 11 - 40 ه ) ، وقبيل أن تتشرف أرض الغري بجسد أمير المؤمنين عليه السّلام فقد أعتاد الكوفيون الدفن في منطقة الثوية ، كما أعتاد الحيريون من قبل الدفن في بانقيا ، وقد احتضنت أرض النجف أجساد الأنبياء والصالحين والصحابة والتابعين ، فقد كانت منطقة ( ظهر الكوفة ) مدفنا لهؤلاء ، ومن ثم انحصر الدفن في جوار أمير المؤمنين عليه السّلام ، وتحولت الأرض إلى مدفن واسع دعي بوادي السلام ، وقد أشارت المصادر إلى مدفن اليماني في النجف في عهد خلافة أمير المؤمنين في الكوفة ( 36 - 40 ه ) ومدفن الصحابي الجليل خباب بن الأرت رحمه اللّه ، وقد صلّى على جنازته أمير المؤمنين عليه السّلام ووقف على قبره وقال : ( رحم اللّه خبابا أسلم راغبا وهاجر طائعا ، وعاش مجاهدا ، وابتلى في جسمه أحوالا ، ولن يضيع اللّه أجره من أحسن عملا ) « 1 » ووقف الشعبي المتوفى عام 104 ه بظاهر الكوفة ، فالتفت إلى مقبرة وقال : ( وهذه كفات الأموات ) « 2 » وقد أراد قوله تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَأَمْواتاً
« 3 » وبعد استشهاد الإمام علي عليه السّلام عام 40 ه أخذ الناس يزورون قبره الشريف خفية ويدفنون موتاهم حوله ، ومن ثم أخذت مقبرة وادي السلام في البروز ، وأخذت مقبرة الثوية أو الجبانة بالاختفاء ، وبعد سقوط الدولة الأموية عام 132 ه ، أخذت العمارة تتوالى على القبر الشريف ، فأصبحت عند ذلك النجف دار سكن ومأوى ، ودار دفن وجوار ، وقد أحب الناس هذه المجاورة أحياء وأمواتا ، وأخذت الجنائز تنقل إلى أرض النجف الأشرف من أنحاء المعمورة ، حتى أصبح نقل الموتى تقليدا شائعا « 4 » وإلى ذلك أشار السيد بحر العلوم بقوله :
هامش
( 1 ) الخوانساري : روضات الجنات 4 / 184 .
( 2 ) ابن الأثير : النهاية 4 / 184 .
( 3 ) المرسلات : الآية 25 ، 26 .
( 4 ) محيي الدين : أدب المرتضى ص 77 .