ونحن إذا أمعنّا النظر في وصف ابن بطوطة لمدينة النجف الأشرف ، نجده يتنقل من جانب لآخر ، فإنه قد وصف الأسواق والحياة الاقتصادية بقوله : ( إن النجف مدينة حسنة في أرض فسيحة من أحسن مدن العراق وأكثرها ناسا وأتقنها بناء ) ، وأشار إلى تجارة النجفيين وسجاياهم بقوله : ( وأهلها تجار يسافرون في الأقطار وهم أهل شجاعة وكرم ولا يضام جارهم ) .
وقد غادر ابن بطوطة أرض النجف قاصدا مدينة البصرة بصحبة جماعة من عرب خفاجة ، الذين كانوا يسيطرون يومذاك على المنطقة ، فقال : ( ولما تحصلت لنا زيارة أمير المؤمنين علي عليه السلام ، سافر الركب إلى بغداد ، وسافرت إلى البصرة صحبة رفقة كبيرة من عرب خفاجة ، وهم أهل تلك البلاد ، ولهم شوكة عظيمة وبأس شديد ، ولا سبيل للسفر في تلك الأقطار إلا في صحبتهم . فاكتريت جملا على يد أمير تلك القافلة ( ثامر بن دراج الخفاجي ) وخرجنا من مشهد علي عليه السلام ، فنزلنا الخورنق موضع سكنى النعمان بن المنذر وآبائه من ملوك بني ماء السماء ، وبه عمارة وبقايا قباب ضخمة في فضاء فسيح على نهر يخرج من الفرات ) « 1 » .
وكانت مدينة النجف الأشرف في فترة الحكم الجلائري في العراق ( 738 - 814 ه ) قد حظيت باهتمام كبير حيث خصصت أوقاف لمرقد أمير المؤمنين عليه السلام « 2 » . وأقام السلطان حسن الجلائري عمارات نفيسة وجميلة في بغداد والنجف الأشرف « 3 » .
وقد أشار المؤرخ نظمي زاده إلى أن السلطان حسن ، بعد انتصاره على الشيخ حسن جوبان ، أصبح يتصرف في حكم بغداد والنجف ، وبقي في الحكم سبع عشرة سنة شيّد خلالها الكثير من العمارات ، ولما توفي عام 757 ه ، دفن بجوار الإمام علي عليه
هامش
( 1 ) ن . م . 1 / 113 .
( 2 ) العاني : العراق في العهد الجلائري ص 251 .
( 3 ) العزاوي : تاريخ العراق بين احتلالين 3 / 80 ، شريف يوسف : تاريخ فن العمارة ص 516 .