ورغم ضيق الموارد أنفق الأب جهدا كبيرا في تعليم أبنائه . فأما طه ( وهو في شهادة الميلاد طاهر ) فقد رمد وفقد بصره وهو في سن الثالثة أو الرابعة . والتحق بكتّاب القرية فتعلّم مبادئ الكتابة . وأتمّ - وهو في التاسعة من عمره - حفظ القرآن كاملا على شيخ القرية فقيه الكتّاب محمد جاد الربّ الشهير بنحلة . وتلقّى أصول التجويد على مفتّش الطريق الزراعية ، ودرس « ألفية بن مالك » على كاتب المحكمة الشرعية الشيخ عبد العظيم ، واستمع من شاعر القرية إلى السّير الشعبية ، وقرأ كتب الأدب الشعبي المتداولة يومئذ شأن « ألف ليلة وليلة » و « الظاهر بيبرس » ، و « فيروز شاه » .
ولكنّ القرية وكتّابها ما كانا يتّسعان لطموح طه حسين وهو الذي خلق طلعة مجبولا على حب المعرفة ، فأرسله أبوه - وهو في الثالثة عشرة من عمره - إلى جامع الأزهر بالقاهرة ، في أكتوبر 1902 ، رفقة شقيقه الأكبر أحمد حسين عسى أن يصبح « صاحب عمود في الأزهر » . فأقام في غرفة بربع « حوش عطا » بحي « الجمالية » قريبا من مسجد « الحسين » .
وفي الأزهر تابع دروس المبتدئين ( 1902 - 1905 ) ودروس المتوسّطين ( 1905 - 1907 ) وطفق يتابع دروس المتقدّمين بداية من 1907 .
وكانت الدراسة في الأزهر في تلك الفترة تقوم على فرعين كبيرين : علوم المقاصد وتضمّ : التوحيد ، والفقه ، وأصول الفقه ، والتفسير ، والحديث . . . ، وعلوم الوسائل وتجمع علوم اللغة ، والبلاغة ، والعروض ، والمنطق ، ومصطلح الحديث . . .
حضر طه حسين في الأزهر الزهر آخر درسين في التفسير للأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده قبل وفاته ( ت 1905 ) ، وتابع دروس الشيخ محمد بخيت في الفقه الحنفي ، والشيخ المراغي في التوحيد ، والشيخ محمد راضي في أصول الفقه ، والشيخ العدوي في المنطق ، والشيخ درّاز في النحو ، والشيخ عبد الحكيم عطا في البلاغة ، والشيخ سيد المرصفي في الأدب .
ولكنّ آفاق عقله الرحبة حملته على التبرّم بالأزهر شيئا فشيئا . فلمّا حلّت سنة 1908 ، وفتحت الجامعة المصرية الأهلية أبوابها وانطلقت الدروس فيها ، التحق بها بصفة غير منتظمة ، ثمّ انتسب إلى قسم الآداب بها رسميا سنة 1910 ، على حين تخلّى عن الأزهر نهائيّا سنة 1912 بعد أن أسقطه شيخ الأزهر حسونة النووي في امتحان العالمية .
وفي الجامعة الجديدة تابع طه حسين دروس الحضارة الإسلامية على أحمد زكي باشا ، والحضارة المصرية القديمة على أحمد كمال باشا ، والتاريخ الإسلامي على الشيخ محمد الخضري ، والجغرافيا ووصف الشعوب على إسماعيل رأفت . وإلى جانب هذه الكوكبة من العلماء المصريين في الجامعة المصرية الأهلية ، كانت هنالك نخبة من العلماء المستشرقين الأجانب ، فلقد درس طه حسين على إغناطيوس جويدي
I . Guidi
أدبيات الجغرافيا والتاريخ واللغة عند العرب ، وعلى كارلو نلّينو
C . A . Nallino
الفلك وتاريخه عند العرب وتاريخ الأدب العربي والشعر الأموي خاصة ، وعلى جيراردو ميلوني
G . Miloni
تاريخ الشرق القديم ، وعلى إنّو ليتمان
E . Littman
اللغات السامية ، وعلى دافيد سانتلّانا
D . Santillana
تاريخ الفلسفة