فاتصف خطه بالإتقان والضبط [ الذهبي ، سير أعلام النبلاء ، 1 / 286 ؛ الكتاني ، فهرس الفهارس ، 1 / 286 ؛ الصفدي ، الوافي بالوفيات ، 18 / 406 ] ، كما أنه مارس قرض الشعر ودرس بحور الشعر وتعلم فنونه وله قصيدة في رثاء شيخه أبي العباس ابن الرومية [ لسان الدين الخطيب ، الإحاطة ، 1 / 213 - 214 ] ، ولكن أغلب شعره مبذول في كتب العصر .
وعلى الجانب الآخر ، فقد اهتم عبد الله الحريري بصناعة الطب ، فدرسه في صغره على والده وجده لأنهما كانا يعانيان صناعة الطب ، ولكنه تأثر أشد التأثير خلال ملازمته لشيخه ابن الرومية لسنوات طويلة . ويذكر ابن الأبار ، أنه اتصل بشيوخ صناعة الطب الماهرين وعمل بين أيديهم ، ولكنه أعجب بفن الكحالة فجعل له النصيب الأوفى في دراساته وتتبعاته ، لأن الكحل هو أول مراتب العلاج في الطب كما يرى ، فقرأ كتب الأولين ممن عملوا في هذه الصناعة ، وهو ما يعني دراسة مؤلفات جالينوس ، والرازي ، وابن سينا ، وعلي بن عيسى الكحال وغيرهم . وهو يشير « إلى معرفته لشيء من الطب بالإرث عن الأب والجد ، وما أمكنه الحصول عليه بالتحصيل والجد ، وما ثبت له من التجارب المنقولة عن الشيوخ الماهرين والعمل بين أيديهم ، وعلى الانفراد في أطراف البلاد » [ الحريري ، نهاية الأفكار ، 1 / 22 ] .
والعبارات السابقة تبين منهجيته في التصنيف ، ويبدو أن هذه الطريقة لم تقنعه ، ولم تشف غليله ، فعزم على الطواف في أرجاء البلاد باحثا ومستقصيا ومتصلا بكبار ورؤساء الأطباء ، فزار العراق ، وبلاد فارس ، ثم بلاد الشام ، ومصر ، وشمال إفريقيا ، ولكنه قضى شطرا مهما من رحلته هذه في بغداد ، ثم عاد إلى وطنه واستقر في إشبيلية ، وعكف على تدوين وتبويب ما جمعه ، مضيفا إلى ذلك خلاصة تجاربه .
أما وفاته ، فكانت بعد تعرض مدينته إشبيلية سنة 646 ه / 1248 م لهجوم وحصار طوال سنة وخمسة أشهر من قبل الروم النصارى ، فهب أبناء إشبيلية للدفاع عنها ، وكانت تحت حكم صاحب قشتالة . في تلك السنة قضى أبو محمد ، عبد الله بن قاسم الحريري ( الحرار ) ، متأثرا بما آلت إليه حالة البلاد ، فتوفي في الخامس من شعبان سنة 646 ه / 1248 م .
[ ابن الأبار ، التكملة ، 2 / 903 ؛ البغدادي ، هدية العارفين ، 1 / 461 ] .
آثاره
1 - نهاية الأفكار ونزهة الأبصار ، وهو في فن الكحالة ( طب العيون ) ، تناول فيه أحوال العين وشرفها وعملها ووصفها ومداها وكيفية الإبصار وتركيبها وأمراضها وعلاجها بالكي وحفظ صحتها ، ثم الأدوية المفردة وأجناسها وقواها ، وأمراض العين الجزئية وعلاجها والأدوية المركبة المستعملة في أمراض العين كحلا وشربا وسعوطا وضمادا ، وقد كتبه لخزانة الملك الأشرف موسى بن محمد بن أبي بكر بن أيوب ( من سلاطين الدولة الأيوبية ) 635 ه / 1237 م ، وكان ذلك على الأغلب سنة 624 ه / 1226 م . وقد ورد في فهرس المخطوطات العربية في مكتبة جستربيتي رقم 3425 مجموع فيه ثلاثة عناوين