خلالها ما كان يحصل من جدل مذهبي في القيروان بين العلماء من أصحاب المذاهب المختلفة . وكانت له لقاءات ومناظرات مع العبيديين وأتباعهم . وقد نقل المالكي في « رياض النفوس » اللقاءات التي جمعت ابن الحداد بعبيد الله المهدي مؤسس الدولة الفاطميّة .
ولقد علّق أحد معاصري ابن الحداد على هذه المناظرات فقال : « لو سمعتم سعيد بن محمد في تلك المحافل - يعني مناظراته للشيعي - وقد اجتمع له جهارة الصوت ، وفخامة المنطق ، وفصاحة اللسان وصواب المعاني لتمنّيتم أن لا يسكت » . كان ابن الحداد عالما بالفقه وعلم الكلام . وكانت له مواقف صارمة في الذبّ عن الدين والردّ على الفرق المخالفة لمذهبه . وصف بأنّه كان إماما متفننا يرفض التقليد ويذم المنخرطين فيه . ولعلّ ما نسب إليه من قول بخصوص هذا السلوك يختزل موقفه من التقليد والمقلّدين ، فقد ذكر أنه قال : « التقليد من نقص العقول ودناءة الهمم » .
أجمع أصحاب التراجم على ذكاء سعيد بن الحداد وحدّة ذهنه ، فقد كان « من أذهن الناس وأعلمهم بما قاله الناس » .
ولم يكن ابن الحداد فقيها ومتكلّما فحسب ، بل كان أيضا لغويّا ونحويّا ، ولعلّ هذا ما جعل السيوطي يترجم له في مؤلفه « بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة » ، ووردت ترجمته أيضا في طبقات النحويين .
وصفه أصحاب التراجم بفصاحة اللسان ، وذكر أنّه إذا لحن في لفظة عدّ ذلك ذنبا يستوجب الاستغفار . وكان يعتمد اللغة في ردوده لإفحام بعض خصومة المذهبيين .
وكان سعيد بن الحداد يميل إلى الزهد رغم انخراطه في الجدل وعلم الكلام وكان معاصروه يتعجبون من ميله إلى الزهد واستئناسه بالوحدة وغزارة دمعه وهو صاحب جدل وكلام ، غير أنّهم كانوا يبرّرون ذلك بما سبق إلى قلبه من صحبة النساك .
وتشير الأخبار الواردة في كتب الطبقات إلى أنّه كان - على زهده - يلبس لباس الشرفاء للتهيّب في أعين الأعداء وخاصّة منهم عبيد الله وشيعته . ومن أقواله في مسكنه وملبسه :
« أما بنياني الدار فإنّما راحة المرء في داره . وأما الكسوة فهو نظر في المعيشة لأنّه إذا كان عند الرجل ثوب واحد هلك في أقرب وقت ، وإذا كان عنده جملة من الثياب بقيت عنده مدة من الزمان » .
وعرف بكلامه بالحكمة فقد نسب إليه في ذلك الكثير . منه قوله : « الحب في الله والبغض في الله من أفضل ما تقرّب به إلى الله عز وجلّ فهو فريضة على من آمن بالله تعالى » .
وقال : « تقديم من أخره الله وتأخير من قدمه الله فتنة في الأرض وفساد كبير » . وقال :
« سل ربّك العافية من بلاء يضطرّك إلى المعصية » وقال : « من طالت صحبته للدنيا وللناس ، فقد ثقل ظهره . . . » وكان ابن الحداد يقول الشعر ويجيده .
آثاره
1 - توضيح المشكل ، في القراءات ؛ 2 - المقالات ، في الأصول ؛ 3 - الرد على الشافعي ؛ 4 - الاستيعاب ؛ 5 - الاستواء ،