تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
يكشف هذا الجدول ، بوجه عامّ ، هيمنة النزعة التقليديّة على رؤية الحداد الإيقاعيّة . فأكثر البحور تواترا في مدوّنته هيّ التي كانت موفورة الحظّ في القديم وفق استقراء إبراهيم أنيس [ موسيقى الشعر ، 210 ] . وهذه الحقيقة يدعمها احتفاء الشاعر بالتصريع ووحدة الرويّ وقلّة احتفاله بتنويع القوافي . وسرّ ذلك انشغاله في الغالب بالمعاني على حساب المباني . والحقيقة أنّ إضافته الفعليّة تتجلّى في المضامين الحديثة التي كرّس حياته ترويجا لها ودفاعا عنها ، كالحريّة وطلب العلم ، ومواكبة روح العصر ، ونبذ التواكل ، وتطهير العقيدة من أوضار التخلف والجهل . قال في نبرة مباشرة غايتها إيصال الفكرة ، والإقناع بأنّ التقدّم لا يتعارض مع الدّين [ الخفيف ، 67 ] :
لا تصدّق يا شرق أنّ رقيّ * الغرب كفر يبدّد المسلمينا أمّة الغرب لا تزال لعيسى * وببوذا اليابان في المؤمنينا
. . .
كلهم في تمدّن العصر فازوا * لم يصبهم في الدّين ما يعترينا أفهل كان دين أحمد يخشى * دون كلّ الأديان في العالمينا
وفضح من رجال الدين من وظّف العقيدة لمآرب شخصيّة ، مستغلّا سذاجة المؤمنين من أبناء الشعب الطيبين . وصوّر المعنى تصويرا طريفا ، مصدره المقابلة بين الغلّ والغلال رغم التناغم الصوتي : [ الخفيف ، 77 ]
هكذا الدّين كان غلّا علينا * وغلالا لهم تفيض بخير
كما فضح الانتهازيين من العلمانيين ، فقال على لسانهم : [ الخفيف ، 80 ]
آ . . . عرفنا الطريق بعد انخذال * لا تنال العلى بغير احتيال ننصر الدين كالشيوخ ونجني * مجد أسلافنا بفعل الخيال
وحثّ على بناء المدارس وطلب العلم ، والاهتمام بالاقتصاد وتطوير الحرف ، لإيمانه بأنّ الحرّية والتقدّم سبيلهما الرقيّ الفكري والمادي . وإذا كانت النزعة الواقعيّة قد طبعت قصائده النضاليّة ذات الأبعاد السياسيّة والاقتصاديّة ، والمقاصد الاجتماعيّة والتربويّة ، فإنّ النزعة الرّومنسيّة وسمت قصائده الوجدانيّة ، فتواترت معاني الغربة والحيرة وعشق الألم والتغنّي بالطبيعة باعتبارها رمز النضال المتجدّد والعدل المطلق . ولقد احتفى الشاعر في وجدانياته بالمباني ، فكان حظّ الصورة الشعريّة وافرا نسبيا . ففي قصيدته « الرجاء » مثلا ، تتضافر ألوان من التشبيه والاستعارة على رسم مشاهد تحوّل فيها المجرّد محسوسا والأخرس ناطقا . فالمشبّه به ( الرجاء ) كان على الدوام ، نقطة الانطلاق لرحلة خياليّة يستجلي فيها الشاعر بعضا من معاناته وأطرافا من دلالاته ، حتّى إذا استفرغت اللحظة الشعريّة طاقتها واكتمل