- الضن بالحديث على غير أهله خوفا عليه من التحريف . حكى عنه تلميذه يحيى بن سعيد القطان أنه جاءه رجل يسأله عن حديث فامتنع ، فقلت : لم لا تحدثه ؟ قال ، هؤلاء قصاصون يزيدون في الحديث [ أبو نعيم الحلية ، 7 / 153 ] .
مع ما كان لشعبة من باع طويل في الرواية إلا أن شهرته اعتمدت أساسا على تميزه في نقد الحديث والبصر به والمعرفة برجاله مع تدقيقه وتشدده في ذلك . حتى قال أحمد بن حنبل :
« كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن » . وقيّم شعبة جهوده في النقد فقال : « ما أعلم أحدا فتش الحديث كتفتيشي ، وقفت على ثلاثة أرباعه كذب » [ سير النبلاء ، 7 / 226 ] .
ونسب إليه الشافعي فضل التأسيس لدراسة الرواية وتمحيصها في عصره بالعراق لما قال : « لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق » لأنه أول من جرّح وعدّل من علماء هذا الإقليم .
ومن أخص ما مهر فيه كناقد :
- العلم بالإسناد ومعرفة أحاديث الرواة ، ونقل عنه في هذا الباب أحكاما كثيرة وإحصاءات دقيقة لسماعات شيوخ الرواية من سابقيه ومعاصريه ميّز فيها ما كان منها سماعا مما هو في حقيقته إرسالا أو مكاتبة ، وترجمته في تقدمة ابن أبي حاتم طافحة بالأمثلة التفصيلية على ذلك . ونوّه وكيع بن الجراح بخدمة شعبة للإسناد فقال : إني لأرجو أن يرفع الله لشعبة في الجنة درجات بذبّه عن رسول صلّى اللّه عليه وسلم . وذكر النسائي أن أمناء الله على علم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ثلاثة ، بدأهم بشعبة [ ابن العماد ، شذرات ، 1 / 247 ] .
- المعرفة الواسعة بأحوال الرواة جرحا وتعديلا وكان معاصروه يقرون له بتبريزه في ذلك فيراجعونه ويستثبتونه في المسائل وكان لا يسكت عمن ليس أهلا للتحديث إذا جلس للإملاء فيزجره ويهدده إن هو تمادى باستعداء السلطان عليه .
وعن خصوصيته في الدراسات الرجالية قال صالح جزرة : « أول من تكلم في الرجال شعبة ، ثم تبعه القطان ، ثم أحمد ويحيى » .
وقال ابن حبان : « هو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين وجانب الضعفاء والمتروكين وصار علما يقتدى به وتبعه عليه بعده أهل العراق » .
وكان مذهبه في الرجال يقوم على الانتقاء والتشدد ، فهو لا يروي إلا عمن لا يحدث إلا ثقة إلا النادر ، ولا يترخص في هذا الأمر وينقد من لا يلتزم به ، وكان يلوم الثوري على تجوّزه في ذلك فيقول : « لا تحملوا عن الثوري إلا عمن تعرفون فإنه لا يبالي عمن حمل » . وسئل الإمام أحمد المقارنة بينهما في الإتقان والاحتياط فقال : « كان سفيان رجلا حافظا وكان رجلا صالحا وكان شعبة منه وأنقى رجالا » [ الخطيب ، تاريخ بغداد ، 9 / 263 ] .
ولاتساع دائرة الآخذين عنه لتميز محدثيه رواية ونقدا ، انتشر حديثه في الأمصار ، وقد ذكر عامة تلاميذه في تاريخ الإسلام [ 6 / 195 - 200 ] ، وسمّي منهم مائة وأربع وثلاثون ( 134 ) في سير أعلام النبلاء [ 7 / 204 - 205 ] ، وعدّد منهم الحافظ المزي في تهذيبه ثلاثمائة ( 300 ) شيخ ، أغلبهم من أصحاب المؤلفات المبسوطة وأئمة الجرح والتعديل وكبار الرواة وشيوخ الأئمة المصنفين في
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 198
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٩٨