والحكمة عنده بالبحث عن حقائق الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشريّة ، وهي تنقسم إلى نظريّة وعمليّة . وكلّ منهما ثلاثة أقسام ، ويفيض في الحديث عن الحكمة العمليّة ، حيث تناولها بالتفصيل مستخدما الاصطلاحات الأوروبية الحديثة في تعريف هذه العلوم ، وهي تتعلّق بتهذيب النفس وعلم الأخلاق والحكمة الخلقيّة ، ويطلق عليها المتأخّرون علم الآداب والحكمة الأدبيّة ويقال لها : مورال
Morale
وفلسفة أدبيّة
Philosophie morale
، ثم ينتقل إلى الحكمة النظريّة فيذكر أقسامها المختلفة : الإلهي ، والرياضي ، والطبيعي ، ويميّز بين علوم الفلسفة كما عرفها العرب عن اليونان وبين علم الكلام ، « فيرى أنّ الإسلاميّين لمّا رأوا في العلوم الحكميّة ما يخالف الشرع الشريف صنّفوا فنّا للعقائد اشتهر بعلم الكلام » ، كما يميّز بينها وبين التصوّف .
وفي المحاضرة الخامسة من محاضراته يتناول « حصر العلوم » وتعريف أهمّها ، وتبيان أجزائها . ويخصّص المحاضرة السادسة للموسيقى العربيّة . ويفيض في المحاضرة السابعة في الحديث عن الطبيعة والعلم الطبيعي ، ويظهر فيها مدى اهتمامه وشغفه بالعلم ، فهو يتناول مفهوم علم الطبيعة وتعريفه وموضوعاته العلميّة أكثر من تناوله للحكمة الطبيعيّة مبيّنا « أنّ علم الطبيعة في هذه العصور مختصّ ببعض خواصّ الجسم العامّة والخاصّة » ، ويعود مرّة ثانية إلى « تقسيم الحكمة » فيتناول في نهاية المحاضرة الثامنة العلوم النفسية والعقليّة ، ويعدّد داخلها عشرة علوم . ثمّ يفيض في المحاضرة التاسعة في الحديث عن المقولات العشر . ويتنقّل في المحاضرة العاشرة من المنطق ليتحدّث عن المحسوسات ، هذا عن الجزء الأوّل المتعلّق بالفلسفة العربية ، وأمّا الجزء الثاني ، ويتعلّق بالأخلاق ، فيتناول فيه « آراء العلماء في السعادة » . إنّ هذه المحاضرات تمثّل صورة مبكّرة من صور التعرّف أو إعادة التعرّف على الفلسفة العربيّة في بداية القرن . والمكانة التاريخيّة التي تحتلّها هذه المحاضرات تتمثّل في كونه امتدادا للفلسفة العربية القديمة في العصر الحديث ، توصّل وتجدّد ما يدرّس في الأزهر ودار العلوم في الجامعة المصريّة .
وتظهر نزعته الفلسفيّة في رسالته القصيرة « أصل العالم » ، وهي كما يذكر مباحث في الجغرافيا الطبيعيّة ، وهي ردّ على رسالة أرسلت إليه يستفسر صاحبها عن أصل العالم ، وتتجلّى في توظيفه لأفكار الفلاسفة والاستعانة بها في كتاباته الخاصّة ، ويظهر ذلك بأدقّ صورة في كتابه « أين الإنسان ؟ » حيث نجد مصطلح الفلسفة عنوانا لعديد من الفصول : أنواع الحكومات والفلاسفة في الفصل السادس والفلسفة الجديدة في التاسع ، والمنطق والأخلاق والسياسة في العاشر . . .
إلخ .
آثاره
1 - نهضة الأمّة وحياتها ، القاهرة 1326 ه / 1908 م ؛ 2 - رسالة الحكمة والحكماء ، مطبعة جرجي عزوري ، الإسكندرية 1915 م ؛ 3 - القرآن والعلوم العصرية ، دار إحياء الكتب العربية ، القاهرة 1923 م ؛ 4 - نظام العالم والأمم ، أو الحكمة الإسلاميّة العليا ،