حقائق الفنون ، ودقائق العلوم ، للاحتياج إلى كثرة التفتيش والمطالعة والتنقيب » . ولكنّه في الوقت ذاته يضع ضوابط للتأليف ، فيقول :
« والأولى أن يعتني ( في التأليف ) بما يعمّم نفعه ، وتكثر الحاجة إليه ، وليكن اعتناؤه بما لم يسبق إلى تصنيفه متحرّيا إيضاح العبارة في تأليفه ، معرضا عن التطويل المملّ والإيجاز المخلّ ، مع إعطاء كلّ مصنّف ما يليق به ، ولا يخرج تصنيفه من بين يديه قبل تهذيبه وتكرير النظر فيه وترتيبه » .
كما يطالب ابن جماعة المعلّم أن يكون ذا ثقافة عامّة إلى جانب إلمامه التام بتخصّصه ، ذلك لأنّ التعليم في رأيه ليس مجرّد نقل المعلومات من المعلّم إلى التلميذ فحسب ، وإنّما هو أشمل وأوسع ، فهو بالإضافة إلى ذلك يتّسع ليشمل تنمية عقل التلميذ وتعليمه وتفهيمه ببذل جهده ، وتقريب المعنى له .
ويرى ابن جماعة أنّ على المعلّم أن يلمّ بمعارف كثيرة غير مادّة التخصّص ، وألّا يدع علما من العلوم إلّا ونظر فيه ، فإنّ ساعده القدر وطول العمر على التبحّر فيه فذاك ، وإلّا فقد استفاد منه ما يخرج به من عداوة الجهل بذلك العلم ، ويعتني من كلّ علم بالأهمّ فالأهمّ .
ويرى ابن جماعة أنّ نجاح المعلّم في عمله يتطلّب أيضا معرفته بأحوال تلاميذه وخصائصهم ، وبقدرات كلّ فرد منهم واستعداداته ، فالمتعلّمون يتشابهون في بعض الوجوه ، ويختلفون في وجوه أخرى ، من هنا كان على المعلم أن لا يبدأ في تعليم أحد تلاميذه « حتّى يجرّب ذهنه ويعلم حاله » [ المصدر السابق ، ص 56 ] فإن توصّل إلى معرفة مدى قدراته واستعداداته ، كان من الطبيعي أن « لا يلقي إليه ما لم يتأهّل له ، لأنّ ذلك يبدّد ذهنه ، ويفرّق فهمه » .
وعلى المعلّم أن يتحلّى بكريم الخصال وحسن الأدب والخلق إذا أراد أن يقدّم تعليما ناجحا ، ذلك أنّ التلميذ سريع التأثّر بمعلّمه ، الذي يحبّه ، ويرى فيه القدوة الحسنة ، فهو « يسلك في السمت والهدى مسلكه ، ويراعي في العلم والدين عاداته وعباداته ، ويتأدّب بآدابه ، ولا يدع الاقتداء به » ، أما فنون الحرب فقد وضع فيها ابن جماعة كتابه « مستند الأجناد في آيات الجهاد » وهو في ثلاثين بابا بدأه بذكر السلاطين وأمراء الجيوش ومكانتهم وما عليهم وخدمتهم والبذل لهم وفضلهم ومنزلة الشهداء عند الله تعالى وما ورد فيهم من الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة . ثمّ تكلّم عن السلاح وأنواعه وصفاته والخيل وأنواعها وما ورد فيها وما يستحب منها ورباطها ، وكيفيّة الخروج للجهاد ونزول الجند وتقسيم الجيوش وتنظيمها على وحدات قتالية ، والتعبئة للقتال والبيات والغارات .
لقد نهج المؤلّف أسلوبا خاصّا في ترتيب كتابه فبعد أن استقصى المعلومات وجمعها وصنفها حسب ارتباط المعلومات بعضها ببعض كأصول من فروع ، نسقها في نصوص كثيرة من هذا الكتاب خصوصا في الأبواب المتعلّقة بالأسلحة وأنواعها وأوصافها واستخدامها كالسيوف ، والرماح ، والقسي ، والسهام ، والنبل ، والكنائن ، والدروع ، والبيضة ، والمغفر ، والمنجنيق .
ثم تناول الألوية والرايات التي ترفع أثناء القتال ، وقد ذكر رايات القبائل العربيّة
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 394
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٣٩٤