تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 393

مساهمون:

ص٣٩٣
قاضي قضاة مصر . وعند سفره من دمشق إلى مصر خرج في توديعه نائب السلطان ، وأعيان الناس . ولما عاد الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك عزل القاضي ابن جماعة بالقاضي جمال الدين الزرعي سنة 710 ه / 1310 م لامتناعه يوم عقد المجلس لسلطنة الملك المظفر . وبعد سنة أعيد إلى القضاء وجعل الزرعي قاضي العسكر . واستمرّ ابن جماعة على القضاء ودرّس في جامع ابن طولون وأغلب مدارس القاهرة كالصالحيّة والناصريّة والكامليّة والزاوية المنسوبة إلى الإمام الشافعي . ثمّ استعفى من القضاء بعد أن شاخ وضعف بصره وثقل سمعه ، فصرف عن القضاء سنة 727 ه / 1327 م . لقد كان ابن جماعة الحموي كما وصفه المؤرخون ذكيّا ، فطنا ، مناظرا ، تام الشكل ، وافر العقل ، حسن الهدي ، متين الديانة ذا تعبّد وأوراد ، وحمد في القضاء ، وتنزّه عن معلومه ، قويّ المشاركة في الحديث ، فقيها ، أصوليا ، مفسّرا ، أديبا ، ناثرا ، مشاركا في غير ذلك من العلوم . وممّا يلفت الانتباه بصفة خاصّة في مصنّفات ابن جماعة تلك التي وضعها في فنون ليس التأليف فيها شائعا كالتربية والفنون العسكرية ، فقد خصّص للفنّ الأوّل كتابه « تذكرة السامع والمتكلّم في أدب العالم والمتعلّم » . وقد أدرك ابن جماعة أهمّية المعلّم ودوره في نجاح العمليّة التربويّة ، وهو يرى أنّ تحقيق أهداف التعليم منوط بحسن اختيار المعلم وامتلاكه للصفات الحميدة . ولكي يستطيع المتعلّم بلوغ مراده وتحقيق أهدافه ، عليه أن يحسن اختيار معلّميه ، بحيث « يعتمد في كلّ فنّ من هو أحسن تعليما له ، وأكثر تحقيقا فيه وتحصيلا منه . . . وذلك بعد مراعاة الصفات المقدّمة من الدين والصلاح والشفقة وغيرها » [ تذكرة السامع ، ص 114 - 115 ] . وليس كلّ أحد يصلح للتعليم عند ابن جماعة ، إنّما يصلح له من تأهّل تأهيلا جيّدا ، وأعدّ إعدادا طيّبا ، ومن الخطأ أن يتصدّر إنسان للتدريس قبل أن تكتمل أهليّته للتعليم : « من تصدّر قبل أوانه فقد تصدّى لهوانه » [ تذكرة السامع ، ص 45 ] . ويهيب ابن جماعة بالمعلّم أن لا يعلّم علوما ، أو يدرّس فنونا ، إلّا إذا تحقّق له « تمام الاطّلاع وكثرة بحث وطول باع » [ تذكرة السامع ، ص 87 ] . وعلى المعلّم أن لا ينقطع عن التعليم والتعلّم ، وأن يداوم على البحث والدراسة ، ويلزمه « دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجدّ والاجتهاد . . . والاشتغال والأشغال قراءة وإقراء ومطالعة ، وفكرا وتعليقا وحفظا ، وتصنيفا وبحثا ، ولا يضيّع شيئا من أوقات عمره في غير ما هو بصدده من العلم والعمل إلّا بقدر الضرورة » [ ص 26 - 27 ] . ولم يكتف الشيخ بن جماعة بتوجيه المعلّم إلى ضرورة مواصلة التعلّم للوصول إلى تقديم تعليم ناجح وفعّال ، بل راح يبيّن له وسائل التعلّم ، ويرشده إلى أكثرها فعاليّة من وجهة نظره ، فيدعوه إلى « القراءة والمطالعة والتعليق والحفظ والبحث » ، وإلى « الاشتغال بالتصنيف والجمع والتأليف » ، لأنّ التأليف والتصنيف في رأي ابن جماعة يزيد من حصيلة المعلّم في العلوم والمعارف والخبرات ، لأنّ المعلم إذا اشتغل بالتأليف اضطرّ إلى أن « يطّلع على