تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 726

مساهمون:

ص٧٢٦
إشبيلية ، سنة 443 ه / 1051 م . واستمرّت مدّة البكريين بشلطين وما إليها إحدى وأربعين سنة ، حسب ابن الأبّار وابن عذاري . عاش الحقبة الأولى من حياته في هذه الكورة الواقعة حاليّا في البرتغال وإسبانيا . ثمّ تبع أباه إلى قرطبة ، حيث استقرّا تحت حماية أميرها أبي الوليد محمد بن جهور ، مثلما أورد ذلك « المتين » لابن حيّان الذي اعتمده ابن بسّام وابن الأبّار . وكان أبو عبيد وقتذاك ، حسبما ذكر ذلك ابن الأبّار وابن عذاري ، من الفتيان بذّ الأقران جمالا وبهاء ، وسروّا وأدبا ومعرفة ؛ وفي قرطبة تتلمذ البكري على مشاهير شيوخها خصّ منهم ابن بشكوال بالذكر أبا مروان بن حيّان صاحب التاريخ المشهور ، وأبا بكر المصحفي ، وأبا عبّاس العذري ، وأبا عمر يوسف بن عبد البرّ المحدّث المشهور [ الصلة ، 287 ] . وهو ما مكّنه من تحصيل معرفة واسعة بفروع من العلم مختلفة ؛ وقد قال عنه ابن بشكوال : هو « من أهل اللغة والآداب الواسعة والمعرفة بمعاني الأشعار والغريب والأنساب والأخبار متقنا لما قيده ، ضابطا لما كتبه . وهو عند ابن بسام آخر علماء الجزيرة بالزمان وأجلّهم في البراعة والإحسان . وأضاف ابن خاقان ( ت 528 ه ) بأنّه « عالم الأوان ومصنّفه ، ومقرظ البيان ومشنّفه ، بتواليف كأنّها الخرائد وتصانيف أبهى من القلائد » . وقد اشتهر أبو عبيد وهو في قرطبة بأنّه رجل علم وبحث وانصراف إلى شيء من اللّهو والشراب ، وهو ما يعتبره حسين مؤنس سببا في عزوف البكري عن حياة السياسة . فاكتفى بالتنقّل في بلاطات أمراء الأقاليم ، فقد انتقل لفترة وجيزة إلى إمارة المرية حيث تقلّد خطّة وزير لأميرها من بني صمادح محمد بن معن الذي عهد إليه بمهمّة تمثيله لدى أمير إشبيلية الأمير ابن عبّاد . ولما سقطت إمارة إشبيلية تحت ضربات المرابطين رجع أبو عبيد البكري إلى قرطبة وظلّ فيها إلى وفاته . وقد التقى في المريّة بابن عذاري ( 478 ه / 1085 م ) وسمع منه . وكان شاهد عيان لدخول المرابطين الأندلس ونهاية ملوك الطوائف سنة 483 ه / 1090 م . وقد أرّخ لبداية الحركة المرابطيّة في كتابه « المسالك » . ولئن كان البكري موسوعيّا فإنّه اشتهر بأعماله الجغرافيّة ، فقد جاء فيها بكثير من الجديد قياسا بما كتب إلى حدّ عصره . فقد أضاف بالنسبة إلى سابقيه من « المسالكيّين » الدقّة والتّمحيص والتثبّت من المعلومة رغم أنّه لم يكن من الرحّالة ، والأخذ عن مؤلفات سابقيه من الثقاة مثل « محمد بن يوسف الورّاق القيرواني » ، أو من شيوخه أمثال « أحمد بن عمر العذري » ، كما يبدو أنّه قد اعتمد على وثائق رسميّة من مخزونات قرطبة . فمن الإضافات المتفرّدة لأبي عبيد في « مسالكه » أنّه كان يدعّم ضبط المواقع باستطرادات متّصلة بالتاريخ والسياسة والإتنوغرافيا ، الأمر الّذي أضفى على عمله الجغرافي صبغة شبه علميّة من فرط دقّتها حتى أخذ عنه الإدريسي أكثر من مرّة ، فكتابه « المسالك والممالك » هو بمثابة مؤلّف في الجغرافية البشرية والاقتصاديّة يختلف كلّيا عن كتب المسالك التقليديّة ، وقد اعتبره حسين مؤنس « قمّة من قمم التأليف الجغرافي في هذا النوع عند المسلمين » .