تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
الطب والصيدلة صناعتان مختلفتان ، الا أنّهما متكاملتان ، وقد غلب لدى ابن البذوخ مثل غيره من أطباء الشام في تلك الفترة ، المزج بين صناعتي الطب والصيدلة ، فكان يهيىء عنده أدوية كثيرة مركبة يصنعها من سائر المعاجين والأقراص والسفوفات وغير ذلك ، ويبيع منها وينتفع الناس بها [ عيون ، 628 ] ، وهذا ما دعا ابن أبي أصيبعة إلى تسميتها « دكان عطر » [ عيون ، 628 ] ، أي أنها كانت تحتوي على أدوية مفردة متنوعة ( نباتية ، حيوانية ، معدنية ) ، يقوم ابن البذوخ بتحضيرها وتركيبها بأشكال صيدلية مختلفة ( معاجين ، أقراص ، سفوفات . . . الخ ) لتصبح أدوية مركبة تمهيدا لوصفها للمرضى بحسب خطة العلاج . ودكان العطر بالمفهوم الحالي هي لبيع أنواع العطور وما يتعلق بها ، كانت توازي صيدلية آنذاك يديرها ابن البذوخ الذي كان فاضلا خبيرا بمعرفة الأدوية المفردة والمركبة [ عيون ، 628 ] ، كما كان ابن البذوخ طبيبا عمليا « له حسن نظر في الاطلاع على الأمراض ومداواتها » [ عيون ، 628 ] بفضل اطلاعه المستمر الواسع على المصادر الطبية ، ودراستها وتمحيصها ، وتحقيق ما ذكر فيها من أمراض ومعالجات ، أي أنه كان يعتمد على نفسه في الدراسة والتحصيل ( التعليم الطبي الذاتي ) . وقد حقق شهرة واسعة في مدينة دمشق في مهنته كطبيب وصيدلاني ، مما جعل عيادته أو دكانه مقصد الجميع ، وهو ما دعاه إلى الالتزام بالعمل فيها وعدم الانقطاع عنها ، حتّى بعد أن جاوز الثمانين من عمره ، « وضعف عن الحركة ، حتّى أنّه كان لم يأت إلى دكانه إلّا محمولا على محفة » [ عيون ، 629 ] مما يدل على رواج أدويته وصواب علاجاته . ومن المؤكد أنه بعد بلوغه هذا العمر ، قد توقّف عن العمل في تركيب الأدوية وغيرها ، وكان يعتمد على مساعدين له ، ولكن خبرته الطبية الواسعة وذكاءه الحاد لم يفارقاه ، وبقي طبيبا عالما ثقة ، خبيرا بالأدوية حتّى آخر أيام عمره ، كما يقول من البسيط [ عيون ، 629 ] :
إن الشيوخ كأشجار غدت حطبا * فليس يرجى لها توريق أغصان لم يبق في الشيخ نفع غير تجربة * وحسن رأي صفا من طول أزمان
كما اشتهر بنزعته الدينية الواضحة ، التي دفعته إلى الاعتناء بعلم الحديث وشروحات القرآن الكريم كما يذكر في قصيدته حول الموت والمعاد ويصف حاله بعد أن جاوز الثمانين من عمره [ عيون ، 629 ] :
وما بقي في لذيذ يستلذّ به * لي لذة غير تنصيت لقرآن أو شرحه أو شروحات الحديث وما * يختصّ بالطبّ أو تفكيه أقران
إلى أن يقول [ عيون ، 629 ] :
يا خالق الخلق يا من لا شريك له * قد جئت ضيفا لتقريني بغفران مولاي ما لي سوى التوحيد من عمل * فاختم به منعما يا خير منّان
وأولع ابن البذوخ بنظم الشعر والرجز ، وقد ذكر له ابن أبي أصيبعة بعضا من قصائده ويصفه بأنه « يشعر وله رجز كثير إلا أن أكثر شعره ضعيف منحل » [ عيون ، 628 ] ، ويغلب