تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 142

مساهمون:

ص١٤٢
على عشر سنوات قبل أن يكتب أعماله الكوميدية ، وقد تفجّرت في أعماقه الإبداعيّة هذه القدرة على الإضحاك والسخرية عندما غلا الغضب والحنق على أولئك المستعمرين الذين كبّلوا الأرض العربيّة بأغلال بدأت تتكسر ، وتآمروا مع الصهيونيّة على تدمير الحق العربي في فلسطين . كتب باكثير خمسين مسرحيّة قصيرة نشرها في الصحف ، ثم جمع عددا منها في كتاب تحت عنوان « مسرح السياسة » ، هكذا أصبحت مسرحيات باكثير تشكل سلاحا قويا لمقارعة الاستعمار والطامعين ، ولعلّ رواياته أيضا خاصة التاريخيّة لعبت مثل تلك الأدوار التي لعبتها مسرحياته . . . [ فايز الداية ، الكوميديا في مسرح باكثير ، ص 62 - 65 ؛ ونذير جعفر ، الرواية عند باكثير ، ص 74 - 76 ] . وأخيرا نكون أمام سؤال البداهة . هل نال باكثير حقه كأديب ومبدع عربي ؟ تحصّل على عديد من الجوائز والأوسمة ومنها : حصوله على وسام العلوم والفنون ( 1961 م ) ، وعلى جائزة الدولة التقديريّة للآداب والفنون ( 1962 م ) ، وعلى وسام عيد العلم ( 1963 م ) ، وعلى وسام الشعر في مهرجان خاص أقيم بالجيزة تكريما للشاعر الملحمي الكبير أحمد محرّم [ الموسوعة العربيّة العالميّة ، مج 16 ، ص 548 ] . ورغم ذلك يرى بعض الأدباء والنقّاد من أجيال مختلفة ، منهم من عاصره وبدأ معه رحلة الإبداع ، ومنهم من تتلمذ عليه ، ومنهم القائم على دراسته أو المحافظ على تراثه ، يرى هؤلاء أنّ باكثير بالرغم من الشهرة الواسعة التي نالها في رحلته الأدبيّة ( 1910 - 1969 م ) لم ينل بعد حقه بالشكل اللائق مقارنة بغيره من الأدباء المصريين . وبهذا الصدد أجرى الأستاذ عبد الناصر عيسوي بعض اللقاءات ومنها لقاؤه بالأديب الكبير نجيب محفوظ وصاحب الترجمة من جيله ، فقال : أنا وباكثير ظهرنا معا ، كما أنّنا حصلنا معا على جائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية في عام واحد . هو عن روايته « سلامة » وأنا عن روايتي « رادوبيس » ، وقرأت كثيرا من أعمال باكثير ، ولا شكّ أنّه أديب عظيم ، ولكن إذا أردنا الدقّة فهو كاتب مسرحي أكثر منه روائيا . ولأن نجيب محفوظ لا يعترف بحكاية ظلم بعض الأدباء ما داموا قد وجدوا منبرا لنشر أعمالهم ، فقد رد بقوله : كيف ظلم ؟ إنّه كروائي نشرت أعماله ، وما يصلح منها للسينما تم تقديمه ، وهو كمسرحي تم تمثيل الكثير من أعماله المسرحيّة في حياته وبعد مماته ، أمّا إذا كان قد مات وفي ذهنه شيء لم يتم في حياته فهذا ليس ظلما ، ولكنها إرادة اللّه . أمّا الأديب فاروق خورشيد فيوضح موقف باكثير الذي أودى به إلى طريق الآلام قائلا : كان باكثير صاحب موقف في الحياة وفي الفكر ، ومن هنا بدأت متاعبه ، وابتدأ طريق آلامه الذي لم ينته بعد انتهائه هو ، وقد ظلم باكثير حيّا ، فقد تناساه النقّاد أو تعمّدوا نسيانه ، رغم كتبه الكثيرة العدد ، ورغم محاولاته في دنيا المسرح ودنيا الرواية ، ودنيا الدراسات ، وعالم الشعر الرحب ، كما أسرع النقّاد والدارسون بعد وفاته إلى إغلاق صفحة الحديث عنه ، وهذا الموقف الظالم من واحد مثل باكثير إنّما يمثل تمثيلا صحيحا مرض العصر في دنيا نقدنا الأدبي . . .