كان الاقشهري من علماء العصر والأئمّة الكبار في العلم والعمل ، ومعرفة الحديث والرجال ، اعتنى بتدوين الحديث ورجاله عناية كبيرة ، وخرج لشيوخه ، وجمع مجاميع كثيرة ، وكان حاضر الجواب لا يسأل عن شيء من علم الحديث ورجاله إلّا وجد عنده منه طرفا جيّدا ، وحفظا حسنا . ومع ذلك كانت له تعاليق كثيرة اشتملت على أوهام منكرة ، وأخرى لم تقع الموقع الحسن لدى علماء العصر ومن ترجم له ، حتّى قال تقي الدين الفاسي [ العقد الثمين ، 1 / 287 ] « . . وله عناية كبيرة بهذا الشأن إلّا أنه لم يكن فيه نجيبا ، لأنّ له تعاليق مشتملة على أوهام فاحشة » .
وللأقشهري إلمام بالأدب ونظم حسن ، ومن ذلك نظمه لما بلغه قول الصرصري يحيى بن يوسف الحنبلي ( ت 656 ه / 1258 م ) في حريق المدينة :
أتينا إلى أرض الحجاز عشية * وإذا الزخارف فيه نار تحرق
شهدت بأنّ الله لا ربّ غيره * وأن الذي قال الرسول مصدّق
روينا صحيحا أنه قال بعده * بزخرف بيت الله ثم يزوق
وأن بيوت الله ترفع أرضها * إلى جنة المأوى وفيها تخلق
وأن الذي حقا يدوم بقاؤه * فليس الذي بالنار حقا سيحرق
ومنه تخميس « يا خير من دفنت بالقاع أعظمه » فقال في سنة 713 ه / 1313 م وهو بمكة :
يا خير من تفرج الزوار أعظمه * وخير من سرّ عرش الرب مقدمه
ناديته بمقول وهو أقومه * يا خير من دفنت بالقاع أعظمه
وطاب من طيبهن القاع والاكم * طوبى لجاركم طابت مساكنه
جار يجار وجار الربع آمنه * قول إذا قلت تشفيني محاسنه
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العتاق وفيه الجود والكرم
جلس الاقشهري للتدريس والرواية بمكة والمدينة ، وحدث بسنن أبي داؤد ، وسنن ابن ماجة واختص بهما ، وقلّما نجد نسخة من نسخ سنن ابن ماجة في الحجاز في زمانه لا نجد عليها خطه [ ذيل التقييد ، 2 / 364 ] ، وحدث بمؤلفات مغربية وأندلسية نالت شهرة ومكانة مرموقة في الأوساط العلمية في عموم المدن العربية والاسلامية حملها ما بين قراءة وسماع عن شيوخه الذين لقيهم في رحلته المغربية ، ومن ذلك : « كتاب التيسير في القراءات السبع » ، لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني ( ت 444 ه / 1052 م ) ، وكتاب « الاكتفاء في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفاء » ، لأبي الربيع سليمان بن موسى الكلاعي ( ت 634 ه / 1236 م ) ، وكتاب « الشفا بتعريف حقوق المصطفى » لأبي الفضل القاضي عياض بن موسى السبتي ( ت 544 ه / 1149 م ) وهو كتاب قال فيه ابن فرحون [ الديباج ، 2 / 49 ] : « أبدع فيه كل الابداع ، وسلم له أكفاؤه كفايته فيه ، ولم ينازعه أحد في الانفراد به ، ولا أنكروا حزيه السبق إليه . . .