وبعد أن تشبّع ابن الأعرابي بالعلم ، امتهن التعليم داخل حلقة الجامع الكبير وخارجها .
فكان يحضر مجلسه خلق كبير من المستفيدين [ مرآة الجنان ، 2 / 106 ] ، يقبلون عليه من أصقاع مختلفة من الدّنيا : من أقصى بلاد المشرق اسفيجاب إلى أقصى بلاد المغرب الأندلس [ معجم الأدباء ، 17 / 193 ] ، وهو يعلّل الإقبال على الدرس بقوله « من لا قبول عليه فلا حياة لأدبه » [ بغية الوعاة ، 1 / 105 ؛ معجم الأدباء 17 / 195 ] ، فطريقته في التعليم طريقة « الفقهاء والعلماء » ومذهبه شبيه بمذاهب جلّة الشّيوخ .
أخذ عنه العلم عدد كبير من الطلبة منهم أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي ( ت 224 ه / 839 م ) ، وابن السكيت أبو يوسف يعقوب بن إسحاق ( ت 244 ه / 859 م ) ، وأبو جعفر محمد بن حبيب الهاشمي البغدادي ( ت 245 ه / 860 م ) ، الذي روى عنه كتبه وأبو عكرمة الضّبي ، وهو عامر بن عمران بن زياد ( ت 250 ه / 865 م ) ، ، أبو عمر شمر بن حمدويه الهروي ( ت 255 ه / 872 م ) ، والطوسي ، أبو الحسن علي بن عبد الله بن سنان ، وأبو العبّاس ، الآمدي بن يحيى ثعلب ( ت 291 ه / 911 م ) ، الذي روى عن ابن الأعرابي كتاب النوادر ، وأبو شعيب الحرّاني عبد الله بن الحسن ( ت 295 ه / 913 م ) .
كان يحضر مجلسه زهاء مائة طالب ، فكان يدرّس من غير كتاب ، يقول عنه تلميذه ثعلب : « لزمته بضع عشرة سنة ، ما رأيت بيده كتابا قطّ . وما أشكّ في أنّه أملى على الناس ما يحمل على أجمال » [ معجم الأدباء ، 17 / 191 ؛ تاريخ بغداد ، 5 / 283 ؛ نزهة الألبّاء ؛ الأنساب 1 / 310 ] .
لم يقتصر التعليم عنده على الحلقات في الجامع الكبير ، بل كان يحترف التدريس خارجه ، وينتقل لتأديب أبناء الخاصّة من الأمراء والوجهاء كابن سعيد بن مسلم . فكان يتقاضى كلّ شهر أجرا قيمته ألف درهم « ينفقه على أهله وإخوانه » [ معجم الأدباء ، 17 / 191 ] . ولكنه لم يدع إلى تعليم أولاد الخلفاء كما دعي غيره من نحاة الكوفة كالكسائي ، والفرّاء ، وثعلب ، رغم أنّه عاصر ثمانية خلفاء ، على أنّه لقي حظوة عند المأمون ( 198 - 218 ه / 814 - 833 م ) الذي كان يستحسن أدبه ويكبر علمه ، والخليفة الواثق باللّه ( 227 - 232 ه / 842 - 847 م ) ، وهو فصيح شاعر يعقد المجالس الأدبية ، ويدعو إليها ابن الأعرابي ، لما له من علم بالشعر وفنونه ومعانيه ودقّة روايته .
تجنّب ابن الأعرابي الانزلاق في المذاهب والفرق التي سادت ذلك العصر ، فلم يأخذ بأساليب المتكلّمين ، ولم يكن طرفا في حركة المعتزلة ، ولم يقل برأي السنة في أزليّة القرآن [ بغية الوعاة ، 2 / 105 ؛ معجم الأدباء ، 17 / 196 ] . فهو معتدل ، محتكم إلى العقل ، مهتمّ بالمسائل اللّغوية والأدبية دون غيرها .
ومن مآثره أيضا أنه لم يعرف بالعصبية ، فهو يأخذ من علماء الكوفة والبصرة على حد السواء رغم ما بينهما من جدال علمي يصل حدّ الخصام ، وما عداوته للأصمعي وأبي عبيدة إلّا لمسألة شخصيّة ، فكلّ المراجع تتّفق على أنه « لم يكن في الكوفيين أشبه برواية البصريين منه » ، وهو لا يقول في أبي زيد الأنصاري رأس مدرسة البصرة إلّا خيرا ، وعنه أخذ العلم . ويعكس هذا الموقف حسن
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 158
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٥٨