واتسعت ثروته العلمية والأدبية أحسّ برغبة في ورود مناهل اللغة والأدب عن الأعراب أنفسهم ، فتنقل في منازل القبائل المجاورة للكوفة يكتب ما عندهم من ألفاظ غريبة ولغات ونوادر وشعر ، وقد غشي سوق الكناسة في ظاهر الكوفة بدفاتره وألواحه ، وطاف بحلقات الشعراء الوافدين إلى السوق يبدون قصائدهم وأراجيزهم ويخالط الرواة ويكتب ما يروونه من أخبار ونوادر وأمثال وحكم ، وكان ابن الأعرابي ماهرا في تصيّد فصحاء الأعراب فيستوقفهم ويحادثهم ويأخذ ما عندهم ، حتّى إذا سبر غور هذا المجتمع العلمي والأدبي في الكوفة وظاهرها والكناسة ، وأراد الإحاطة والاستقصاء شدّ رحاله وتوغل في البوادي الشاسعة يبحث فيها عن شيء جديد . [ الأعرابي ، كتاب خيل العرب وأسمائها ، ص 10 ] .
أخذ أيضا العلم عن البصرة ، رغم أنه مبغض لشيخيها أبي عبيدة والأصمعي فروى عن بقية علمائها كأبي زيد الأنصاري الذي لم يسمع منه مباشرة ولم يجلس إليه . فابن الأعرابي قد جمع بين الثقافة الكوفيّة والثقافة البصريّة شأنه في ذلك شأن غيره من علماء الكوفة ، ولم يكتف بالأخذ عن أئمّة اللّغة والكلام وحفظ الشعر بمساجد الكوفة والبصرة ، بل انتقل إلى البوادي ، فاتّصل بالأعراب مصدر الفصاحة وشافههم واستقى منهم علومه ، وروى عن فصحائهم ، وأكثر من السماع إلى بني أسد وبني عقيل . . . وهكذا أصبحت له معرفة دقيقة لكلام العرب ، وقدرة على التمييز بين اللّغات المختلفة في اللفظ الواحد ، وتوجيه المعاني وجهتها الصحيحة ، وشرح غريب اللّغة .
تجمع الكتب على أنّ ابن الأعرابي ثقة في رواية أشعار العرب ، لا تخلو الكتب من الإحالة عليه في نقل الأخبار والاستشهاد به في اللغة والمعجم . فهو نسّابة كثير السّماع لأشعار القبائل لكثرة تجواله بينها ، عالم باللّغة ، غزير الشعر ، كان « عجبا في معرفة اللّغة والأنساب » [ الوافي ، 3 / 93 ] . يعتبر أحفظ الناس للّغات والأيّام والأخبار ، فهو يملي على طلبته من حفظه ودون الاستعانة بكتاب [ أنباء الرواة ، 3 / 131 ؛ تاريخ بغداد ، 5 / 285 ] . وابن الأعرابي بارع في الأدب ومن أكابر أئمة اللّغة في النّحو ، وإن لم يصنّف فيه مؤلفا خاصا به ، وهو من أوثق النّاس رواية ، استشهد به الجاحظ كثيرا في كتابيه « الحيوان » و « البخلاء » وأشاد بسعة روايته ، وقوّة حفظه ، وأحالت عليه كتب اللّغة ومعاجمها ، كأدب الكاتب لابن قتيبة ، والأمالي للقالي ، وفقه اللّغة للثّعالبي ، والمزهر وبغية الوعاة للسّيوطي ، والصحّاح للجوهري ، ولسان العرب لابن منظور ، وقلّما حكى بصريّ عن كوفيّ » [ دائرة المعارف ، 1 / 340 ] . كما أنّه لم يوجد في الكوفيين أشبه برواية البصريّين منه .
قيل عنه « له المنتهى في معرفة لسان العرب » [ البداية والنهاية ، 1 / 403 ؛ شجرات الذهب ، 2 / 70 ] ، وقال ثعلب : « انتهى علم اللّغة والحفظ إلى ابن الأعرابيّ » [ معجم الأدباء ، 17 / 190 ] ، واعتبره محمد بن الفضل الشعراني « رأسا في كلام العرب » وخاصة في الكلام الغريب [ معجم الأدباء 17 / 191 ؛ نزهة الألبّاء ، 151 ؛ دائرة المعارف ، 2 / 341 ] .
ووصفه أحمد بن علي الخطيب « بصاحب الغريب » [ تاريخ بغداد ، 5 / 285 ] .
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 157
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص١٥٧