تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
والصبر كله تلقي البلاء بالرحب ، والتفويض كله الطمأنينة عند الموارد ، واليقين كله ترك الشكوى عندما يضاد مرادك ، والثقة باللّه علمك أنه بك ، وبمصالحك ، أعلم منك بنفسك . وقال أيضا : إن اللّه تعالى طيّب الدنيا للعارفين بالخروج منها ، وطيّب الجنة لأهلها بالخلود فيها . فلو قيل للعارف : إنك تبقى في الدنيا ، لمات كمدا ؛ ولو قيل لأهل الجنة إنكم تخرجون منها ، لماتوا كمدا ؛ فطابت الدنيا بذكر الخروج منها ، وطابت الجنة بذكر الخلود فيها . وقال أيضا : أخسر الخاسرين من أبدى للناس صالح أعماله ، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد ؛ ومن أقواله : من أصلح اللّه همته ، لا يتعبه بعد ذلك ركوب الأهوال ، ولا مباشرة الصعاب ، وعلا بعلوّ همته إلى أسنى المراتب ؛ وتنزّه عن الدناءة أجمع . ومن كلامه في ترجمة أبي الحسين النوري ، قال : مات وهم يتكلمون عنده في شيء سكوتهم عنه أولى لأنه شيء يتكهنون فيه ، ويتعسفون بظنونهم ، فإذا كان أولئك كذلك ، فكيف بمن حدث بعدهم ؟ وقال أيضا : إنما كانوا يقولون « جمع » وصورة الجمع عند كل أحد بخلافها عند الآخر ، وكذلك صورة الفناء . كانوا يتفقون في الأسماء ، ويختلفون في معناها ؛ لأن ما تحت الاسم غير محصور ، لأنها من المعارف . قال : وكذلك علم المعرفة غير محصور لا نهاية له ولا لوجوده ، ولا لذوقه . . . ، فإذا سمعت الرجل يسأل عن الجمع أو الفناء ، أو يجيب فيهما ، فاعلم أنه فارغ ليس من أهل ذلك إذ أهلهما لا يسألون عنه لعلمهم أنه لا يدرك بالوصف . وقال أيضا : إن اللّه تعالى جعل نعمته سببا لمعرفته ، وتوفيقه سببا لطاعته ، وعصمته سببا لاجتناب معصيته ، ورحمته سببا للتوبة ، والتوبة سببا لمغفرته والدنوّ منه . ومن أقواله : القلوب إذا أقبلت روّحت بالإرفاق ، وإذا أدبرت ردّت إلى المشاق ؛ وقال : اشتغالك بنفسك يقطعك عن عبادة ربك ، واشتغالك بهموم الدنيا يقطعك عن هموم الآخرة . ولا عبد أعجز من عبد نسي فضل ربه ، وعدّ عليه تسبيحه وتكبيره ، الذي هو إلى الحياء منه ، أقرب من طلب ثواب عليه ، أو افتخار به . وقال : إن اللّه تعالى خلق ابن آدم من الغفلة ، وركّب فيه الشهوة والنسيان . فهو كله غفلة ، إلّا أن يرحم اللّه عبدا فينبّهه . وأقرب الناس إلى التوفيق من عرف نفسه بالعجز والذلّ ، والضعف وقلّة الحيلة ، مع التواضع للّه . وقلّ من ادعى في أمره قوة إلّا خذل ، ووكل إلى قوّته ؛ وقال : مدارج العلوم بالوسائط ، ومدارج الحقائق بالمكاشفة . وقال : من طلب الطريق إلى اللّه ، وصل إلى الطريق بجهد واجتهاد ومجاهدة ، ومن طلبه استغنى عن الطريق والأدلّة ، وكان الحقّ دليله إليه ، وموصّله لا غير ؛ وسئل ابن الأعرابي عن أخلاق الفقراء ، فقال : أخلاقهم السكون عند الفقر ، والاضطراب عند الوجود ، والأنس بالهموم ، والوحشة عند الأفراح . وسئل : ما الذي ترضى من أوقاتك ؟ فقال : الأوقات كلها للّه تعالى ، وأحسن الأوقات وقت يجرى الحق فيه عليّ ما يرضيه عني ؛
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 154 | المنجي بوسنينة