تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 517

مساهمون:

ص٥١٧
ما يرويه ، فضلا عن كتابيه : المفيد للحكام فيما يعرض لهم من نوازل الأحكام ، وكتاب بهجة النفس وروضة الأنس ، في التاريخ . ونتيجة لدراسته المكثفة هذه ، فقد برع ابن هشام في الأدب ، وأصبح كاتبا بليغا ، وشاعرا مجيدا . بل أضحى ، وحسب وصف تلميذه ابن سعيد المغربي له : « شيخ الكتّاب في أوانه ، المشار إليه بذلك ما بين أقرانه . . . وهو ممن كان ينتفع بكتبه وأدبه » [ اختصار القدح المعلى ، 89 ] . وقد امتهن وظيفة الكتابة للحكام ، فكتب في أول أمره ببلده ، وولي القضاء ببعض المناطق ، ثم انتشر صيته في مدن الأندلس الأخرى ، فكتب في إشبيلية (
Sevilla
) ، وغرناطة (
Granadda
) ، ومرسية (
Murcia
) . وكان من أشهر الحكام الذين عمل في خدمتهم وكتب عنهم إدريس بن منصور الموحدي ، أيام ولايته على قرطبة ، وهو نائب أخيه العادل عبد الله بن يعقوب على الأندلس . وبعد انتصار ثورة السيد أبي محمد عبد الله بن محمد بن يوسف بن عبد المؤمن البياسي ، صاحب جيّان (
Jaen
) ، على الخليفة العادل ، وتغلبه على قرطبة ، كتب له ابن هشام أيضا ، وصار مختصا به ، وتنقل معه ، الأمر الذي أثار حنق أبي العلاء إدريس عليه . فلما انتهت حركة البياسي ، وقتل على يد أبي العلاء سنة 623 ه / 1226 م ، خاف ابن هشام واستخفى بإشبيلية . ولكنه حاول أن يعتذر عن فعلته ، وأرسل رقاعا إلى أبي العلاء ، ثم دخل عليه ، وأنشد قصيدة منها :
مولاي إنّ بليتي مع خدمتي * خصمان فاحكم للتي هي أقدم
وقد نال ابن هشام عفو أبي العلاء ، وأصبح يحضر مجلسه ، ويلقي فيه بعض القصائد الشعرية ارتجالا . وبعد ذلك استمر في خدمة بعض حكام الأندلس الآخرين في الكتابة ، فكتب لأبي عبد الله محمد بن يوسف بن هود الجذامي ، الذي استغل ضعف السلطة الموحدية ، وسيطر على عدة مدن أندلسية في الحقبة الممتدة من سنة 625 - 635 ه / 1227 - 1237 م . كما كتب أيضا للثائر أبي مروان أحمد بن محمد الباجي ، الذي قام بإشبيلية على ابن هود سنة 631 ه / 1233 م . وهكذا تكررت مأساة تجربته الأولى مع البياسي ، ولكن لحسن حظه ، فإن حكم ابن هود لم يطل كثيرا ، ليتمكن من معاقبته ، كما فعل أبو العلاء الموحدي . والواقع أنه لم يكن لأبي هشام خيار فيما يفعل ، فالرجل كان يمتهن الكتابة ، التي كانت ، وكما يبدو ، مصدر رزقه الوحيد ، وعاش في ظروف سياسية متقلبة ، كانت تتبدل فيها الأدوار ، والحكام باستمرار ، مما أوقعه في مآزق مع كل متغلب جديد .

آثاره

لم يترك ابن هشام مؤلفات في المعارف التي أتقنها ودرسها على والده ، وأساتذته ، وجلّ ما خلّفه من تراث ثقافي ، ونقله عنه تلامذته ، هو بعض الأبيات من شعره ، الذي يشمل مجالات متعددة ، منها المدح ، والوصف ، والخمريات ، والغزل . كما أورد له تلميذه ابن سعيد المغربي المتوفى