وصف الأقاليم وجغرافيتها بذكر الممالك وما يتعلق بها من تاريخ ، كما يورد تراجم من انتسب إلى هذه المدن والممالك ، من غير أن يفوته الاستنتاج ، من هذا كلّه ، أثر العرب في العمران والحضارة والتّاريخ .
ولقد جهد الأمير جهدا شاقا في نقل كل ما يرجع إلى الأندلس من كتب العرب ، فقد أخذ عن « المسعودي ، وابن حوقل ، والمقدسيّ ، والشّريف الإدريسيّ ، وابن الأثير ، وياقوت الحموي ، وابن خلدون ، ولسان الدّين بن الخطيب ، والقلقشنديّ ، والمقريّ صاحب نفح الطيب . . . » ، كما أخذ عن دوزي المستشرق الهولندي ، ورينو الإفرنسي ، وإيزودور الباجيّ « . . . وأصحاب الانسكلوبيدية الإسلاميّة ، ولوي بروفنسال من المعاصرين والمسيو جوسيه . . . » وسواهم [ 1 / 16 ] . وطاف من أجل موسوعته خزائن ألمانيا وسويسرا وإسبانيا ، واتّصل بالعديد من العلماء ، وركن إلى الأسكوريال ، وخرج من ذلك بدرس عظيم في بيان مفتاح لدراسة « إسبانيا المسلمة » كما يراها هو ، لا كما يراها الفرنجة .
ويضاف إلى ذلك كله مشاهداته العيانية ورحلته في الربوع الأندلسية كما رآها خلال مقامه فيها . فهو يسير بالقارئ بتلك المرابع سيرة هوميروس في الإلياذة والفردوسي في الشاهنامة ، فكأنه ينشر ملحمة في النثر عن قومه وأعمالهم في الأندلس ، ويتيه بحلل الجغرافية والعلم وبدائع الآثار .
وقسّم المؤلف كتابه إلى قسمين : جغرافي وتاريخي ، وكان يبدأ بالجغرافي ، ولم يقتصر في ذلك على ما كانت عليه إسبانيا في أيام العرب ، أو في القرون الوسطى ، غير ناظر إلى أحوالها الجغرافية الحاضرة ، بل جمع القديم إلى الحديث ، وقرن ما كتبه العرب بما جمعه الإفرنج ، وكان يدخل في هذا القسم تراجم من نبغ من أهل العلم في كلّ بلد من البلدان التي يذكرها .
وقد استغرق الجزء الأول تخطيط الجزيرة الأندلسية وأقوال العرب عن جغرافية الأندلس ، وما عرفته من تقسيمات ، ثم يأخذ بالحديث عن طليطلة واصلا بذاك الجزء الثاني بالأول ، فيتحدث عن المدن الشهيرة في ممالك قشتالة وسرقسطة وكتلونية وليون وبرشلونة . . ، ويتابع في الجزء الثالث استكمال الممالك والمدن ، وما علق بها من تاريخ وأخبار ووقائع في شيء من التداخل .
وهو حين يتحدث عن الأقاليم وجغرافيتها يشبه إلى حد المطابقة طريقة المصنفات التراثية الكبرى ، كنهاية الأرب للنويري ، وصبح الأعشى للقلقشندي ، في السرد والترتيب من حيث نقل المعلومات والأخبار تباعا من مصادر مختلفة ، ممّا يوقع في تكرر الأحداث والأوصاف والأعلام ، كما تعاد الآراء في شكل أوضح أو أقل وضوحا ، ولكنّها متلاحقة ، بلا اعتماد للتّرتيب الفنّي أو استصفاء زبدة القول ، أو الموازنة بين النّصوص ، أو حذف التفصيلات المتشعبة .
لذا بدا الكتاب بأجزائه الثلاثة معرضا لجغرافيّة الأندلس ، فقد جمع المؤلف كلّ ما قيل في الموضوع ، أو كلّ ما وقعت عليه يده من كتب .
ولا ريب في أن فكرة جمع المادة المتعلقة بالأندلس ، من المظان والكتب الأجنبية ، قد وفّر للقرّاء والباحثين جهد البحث والتنقيب
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 447
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٤٧