أصبحوا علماء في مصر ، ثم رجع إلى بلاد الشام ، ومات في حلب عن نيّف وسبعين سنة في سنة 783 ه بعد أن حصل له عرج ، وقليل صمم ، وضعف بصر ، فحياته التي كانت في القرن الثامن الهجري عاصرت حقبة المماليك البحريّة .
ذكرت المصادر التي ترجمت له أنّه تتلمذ على جلّة من علماء عصره ، أخذ الفقه الشافعي عن مجموعة من شيوخ دمشق ، فسمع على القاسم بن عساكر ، وأجاز له الحجّار وقرأ على الحافظ المزّي ( يوسف بن عبد الرحمن 654 - 742 ه ) ، وعلى المؤرخ العلامة محمد بن أحمد الذهبي ( 673 - 748 ه ) .
وكان الذهبي أحد أعلام أربعة متعاصرين لا خامس لهم ، هم المزّي ، والبرزالي ، والذهبي ، والتقيّ السّكبي ، وكان المزي والسبكي يعجبان بقراءته كما سمع على صدر الدين الحارثي المتوفّى سنة 743 ه ، وأجاز له جماعة من أهل دمشق وأهل مصر ، وقال القاضي علاء الدين بن خطيب الناصرية : تفقه الأذرعي بدمشق على العلامة تقي الدين السبكي ( 683 - 756 ه ) وبالقدس على الإمام أبي الفداء القلقشندي ، وغيرهما ، وتفقّه على ابن النقيب ورجع إلى دمشق ، ولازم الفخر المصري ، وهو الذي أذن له ، وشهد له بالأهليّة عند السبكي ، وبرع في المذهب ، وفي حلب سكن بالمدرسة العصرونيّة ، وكان لا يأذن لأحد بالإفتاء إلا نادرا . فلما رجع إلى الشام رحل إليه من فضلاء المصريين الشيخ بدر الدين الزركشي ، يقول ابن حجر :
قرأت بخطه - أي خط الزركشي - :
ورحلت إليه في سنة 763 ه فأنزلني داره ، وأكرمني وحباني ، وأنساني الأهل والأوطان ، وكذلك رحل إليه برهان الدين البيجوري ، وكتب عنه شرح المنهاج بخط يده .
أجمعت كل الكتب التي ترجمت له أنّه كان عديم النظير في أخلاقه وسلوكه ، نقي النفس ، لطيف الذوق ، كثير الجود ، صادق اللهجة ، شديد الخوف من اللّه ، وكان كثير التحرّي في أموره ، مليح المحاضرة ، قوّالا للحق ، ينكر المنكر ، ويخاطب نواب حلب خطابا فيه غلظة ، كثير الفوائد ، ولديه فضائل وكياسة وحشمة ، وإنسانيّة ومروءة ، ومحبّة لأهل العلم ، محسنا لهم ، وخصوصا الغرباء لأنّه جرّب الاغتراب ، معتقدا لأهل الخير ، ديّنا صالحا .
وقال ابن حجر : كان الأذرعي سريع الكتابة ، يكتب في الليل على شمعتين أو أكثر ، فكان يكتب في الليل كراسا تصنيفا ، وفي النهار كراسا تصنيفا ، لا يقطع ذلك ، ولكن لو كان ذلك مع المواظبة لكانت تصانيفه كثيرة جدّا ، لكنّه لعلّه ترك ذلك مسودات ، وكان رغوبا في جمع الكتب حتى اجتمع عنده منها ما لم يحصل عند غيره ، وظفر من النقول بما لم يحصل لأهل عصره ، وذلك بيّن في تصانيفه .
وكان كثير الانقطاع عن الناس ، ملازما لبيته وكتبه يصنف منها ، ولا يخرج إلّا للضرورة ، درّس بالمدارس الظاهريّة والأسديّة والبلديّة ، ودار الحديث البهائية بحلب ، وكان ثبتا في النقل متوسّط التصرّفات .
وكان الشيخ زين الدين الباريني الشافعي نزيل
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 434
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٣٤