وبلغ من حسن سيرته أن عددا من الفرق والجماعات الإسلامية فيما بعد - كالشيعة والمعتزلة - ادّعت نسبته إليها واعتبرته من أتباعها .
وأبو بلال ممن شهدوا مع علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) واقعة صفين ، وحارب في صفوفه ، وأبلى بلاء حسنا ، غير أنه وقف ضد التحكيم بحزم ، وأنكر على علي قبوله له .
وقد خرج أبو بلال مع من خرج إلى النهروان ، ولكنه بعد أن شاهد ما وقع بها من سفك دماء المسلمين ، ورأى القتلى من أهله وعشيرته بالآلاف ، ازداد يقينا بأن الغلوّ في فهم الأمور يؤدي بالأطراف المتقاتلة إلى ما لا تحمد عقباه .
وعلى الرغم من قناعته بموقف الرافضين للتحكيم إلا أنه لم يرض بحال أن تؤول حال المسلمين إلى ما آلت إليه من تقاتل وتدابر واستحلال ما حرم الله من نفس ومال .
لذا فإنه مضى بعد انتهاء معركة النهروان عائدا إلى البصرة ، حيث كانت قبيلته تميم ، وكان بها الأحنف بن قيس أحد الوجهاء والزعماء وأحد القادة المجاهدين ، إذ يقال إنه هو القائد الذي فتح جمهوريات الاتحاد السوفياتي الوسطى ( طاجكستان حاليا ) ، وكان يميل إلى رأي المحكّمة موافقا على مسلكهم ، وكل المصادر التي كتبت عن أبي بلال ، قديمة كانت أو حديثة ، تنظر إلى هذه الشخصية الفذة بإعجاب شديد ، باعتباره رمزا من رموز الثورة على الظلم دون تهوّر ، وطلبا للحق دون تجبّر .
إنّ ما تميزت به دعوة أبي بلال هي إنكاره العنف طريقة ومنهاجا ، بناء على شخصيته المؤمنة التقية ، واستنادا إلى تجربته الجهادية ، واقتناعا منه بأن ذلك ليس من طبيعة الدين الإسلامي السمح ثم لأنه اتعظ من المصير الدامي الخطير الذي آلت إليه معركة النهروان ، فكان يأمر أتباعه بعدم استعراض المسلمين بالسيف ، وألا يقاتلوا أحدا من مخالفيهم إلا إذا تعرضوا لعدوان أو واجهوا قتالا ، فالسلاح لا يستخدم إلا في حالة الدفاع عن النفس ، وكان يقول : « إن تجريد السيف ، وإخافة السبيل لأمر عظيم ، ولكنا نشذ عنهم ، ولا نجرّد سيفا ، ولا نقاتل إلا من قاتلنا » .
ما لبثت دعوته هذه أن تأصّلت ، وكثر حولها المريدون والأتباع ، ولكن الأمر لم يستمر طويلا ، إذ سرعان ما تغيرت الأوضاع السياسية من قبل السلطة الأموية ، فحين تولى عبيد الله بن زياد مكان أبيه سنة 55 ه / 674 م استعمل الشدة والقسوة المتناهيتين ، وأعمل السيف في الرقاب دون رحمة أو لين ، وطارد الفرق المعارضة لحكمه وعلى رأسها المحكّمة ، وفتح السجون على مصراعيها ، فعذب وقتل ومثل وصلب ، ولم تنج منه حتى النساء اللاتي كان يمتهن كرامتهن بشكل تتقزّز له الأبدان هولا وفظاعة .
ولما رأى أبو بلال ما حل بمعارضي ابن زياد ، وعلم أنه يجدّ في طلبه ، وأنه ظافر به لا محالة ، عزم على الخروج من البصرة في ثلاثين رجلا ، وقيل أربعين ، وقال لأصحابه :
« إنه والله لا يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين ، تجري علينا أحكامهم ، مجانفين للعدل مفارقين للفضل ، والله إن الصبر على
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين — صفحة 431
مساهمون: المنجي بوسنينة
ص٤٣١