وقد جمع اللّه للشّيخ ذلك على وجه يعدّ من أكمل الوجوه وأتمّها ، ومصداق ذلك ما ذكرنا عنه في هذا الفصل وبقية فصول التّرجمة ، وفيما تجده مبثوثا في كتبه - رحمه اللّه - .
ومما يكثر التمثل به قول القائل « 1 » :
فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد * كلا طرفي قصد الأمور ذميم
فكان بحق نموذجا لعلماء السّلف في عصر كثر فيه المتاجرون بالعلم إقبالا على الدّنيا واغترارا بزخرفها وانشغالا بالمناصب والجاه
هامش
- في ( الموطأ ) وبلفظ : إن الهدي الصّالح والسمت الصّالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزاء من النبوة ، في ( سنن أبي داود ) .
وحسنه الألباني في ( صحيح سنن الترمذي ) ( 2 / 195 ) ( رقم 1635 و 2095 ) وكذا الأرناؤوط في تعليقه على ( جامع الأصول ) ( 11 / 689 و 690 ) .
وقال ابن الأثير في ( جامع الأصول ) : الهدي والسمت والدل : حالة الرجل وهيئته ومذهبه .
وقال : والاقتصاد : سلوك الأمر في القصد والدخول فيه برفق .
إلى أن قال : ومعنى قوله : الهدي الصّالح ، إلى قوله : من النبوة : أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء ، ومن جملة الخصال المعدودة من خصالهم ، وأنها جزء معلوم من أجزاء أفعالهم ، فاقتدوا بهم فيها وتابعوهم ، وليس معنى الحديث أن النبوة تتجزأ ، ولا أن من جمع هذه الخلال ؛ كان فيه جزء من النبوة ؛ فإن النبوة غير مكتسبة ولا مجتلبة بالأسباب وإنما هي كرامة من اللّه . ويجوز أن يكون أراد بالنبوة ها هنا ما جاءت به النبوة ودعا إليه الأنبياء . ويجوز أن يكون المعنى : إن من اجتمع له هذه الخلال ؛ لقيه النّاس بالتعظيم والتوقير ، وألبسه اللّه لباس التقوى الّذي يلبسه أنبياءه ، فكأنها جزء من النبوة .
( 1 ) وهو على البحر الطويل .