فكم أمم قد أصرع الموت قبله * فلم تغن عنهم دورهم والعواصم
وآثارهم ما بين شرق ومغرب * لنا عبرة منها حصيد وقائم
فكيف بقاء الفرع والأصل ذاهب * بما قد مضى من أعصر فهو داهم
ونعلم أن الموت حق وإنما * لنا أمل في فسحة العمر هائم
ويغتر في غصن الشّباب أخو الهوى * وينسى لما تجني عليه الجرائم
ولا يرعوي فيما يرى من مصارع * لأقرانه حتّى يفاجيه هاجم
فلا أسف إن مات يوما فإنه * كما عاش في الدنيا تعيش البهائم
ولكن يموت العلم في موت أهله * ويقبض حتّى يعوز النّاس عالم
وما موت فاروق الزمان بعلمه * سوى فزع ترتج منه العواصم
ولما أتاني نعيه رجفت بي * الأرض وانسدت بقلبي المناسم
وأوجب لي فيه المصاب لدهشة * عرتني إنكاماتها أنا واجم « 1 »
فلا تعجبوا إن غاب فكري بمن * شط عني في ربى النجد حائم
وصرت إذا ما رحت أرثيه حائرا * من المدمع السيال والطرف ساجم
وانفض كفي من تشوش فكرتي * أفي يقظة لم أدر أم أنا حالم
وتبت يدا موت رمته فأقصدت * على أنّه ابن العلا وهو حازم
بكى النجد من حزن عليه وأغلقت * على موته أسواقه والمحاكم
وقد لبست ثوب الحداد تفجعا * عليه السما والأرض والجو قاتم
فمن للفتاوى بعده من محرر * لأقلامه فيها تسوح مراسم
ويوردها في الحال دون توقف * على رقة تغتار منها النسائم
هامش
( 1 ) أنكامها : مصائبها