أصحابه ، وإن كان غير ذلك فما حاجتك إلى تعريض نفسك وأهلك وأهل بيتك لما لا قوام لهم به ؟ وأخرى أنّ جميع هذا البلد أعداء لآل أبي طالب ، فإن أجابوا الآن طائعين ، فرّوا عنك غدا منهزمين إذا احتجت إلى نصرهم ، على أنّك إلى خلافهم أقرب منك إلى إجابتهم .
فثني نصرا عن رأيه ، وفتر نيّته ، فصار إلى محمّد بن إبراهيم معتذرا إليه بما كان من خلاف الناس عليه ، ورغبتهم عن أهل البيت ، وأنّه لو ظنّ ذلك بهم لم يعده نصرهم ، وأومئ إلى أن يحمل إليه مالا ويقوّيه بخمسة آلاف دينار ، فانصرف محمّد عنه مغضبا .
ثمّ مضى محمّد بن إبراهيم راجعا إلى الحجاز ، فلقي في طريقه أبا السرايا السري بن منصور أحد بني ربيعة بن ذهل بن شيبان ، وكان قد خالف السلطان ونابذه ، وعاث في نواحي السواد ، ثمّ صار إلى تلك الناحية ، فأقام بها خوفا على نفسه ومعه غلمان له . وكان علويّ الرأي ذا مذهب في التشيّع ، فدعاه إلى نفسه ، فأجابه وسرّ بذلك ، وقال له : انحدر إلى الفرات حتّى أوافي على ظهر الكوفة ، وموعدك الكوفة . ففعل ذلك .
ووافا محمّد بن إبراهيم الكوفة ، يسأل عن أخبار الناس ، ويتحسّسها ويتأهّب لأمره ، ويدعو من يثق به إلى ما يريد ، حتّى اجتمع له بشر كثير ، وهم في ذلك ينتظرون أبا السرايا وموافاته .
فبينا هو في بعض الأيّام يمشي في بعض طريق الكوفة ، إذ نظر إلى عجوز تتبع أحمال الرطب ، فتلقط ما يسقط منها فتجمعه في كساء عليها رثّ ، فسألها عمّا تصنع بذلك ، فقالت : إنّي امرأة لا رجل لي يقوم بمئونتي ، ولي بنات لا يعدن على أنفسهنّ بشيء ، فأنا أتتبّع هذا من الطريق وأتقوّته أنا وولدي ، فبكى بكاء شديدا ، وقال : أنت واللّه وأشباهك تخرجوني غدا حتّى يسفك دمي .
ونفذت بصيرته في الخروج ، وأقبل أبو السرايا لموعده على طريق البرّ حتّى ورد عين التمر في فوارس معه جريدة لا راجل فيهم ، وأخذ على النهرين حتّى ورد إلى نينوى ، فجاء إلى قبر الحسين عليه السّلام .
قال : وخرج محمّد بن إبراهيم في اليوم الذي واعد فيه أبا السرايا للاجتماع بالكوفة ، وأظهر نفسه وبرز إلى ظهر الكوفة ، ومعه علي بن عبيد اللّه بن الحسين بن علي بن الحسين ، وأهل الكوفة منبثّون مثل الجراد ، إلّا أنّهم على غير نظام وغير قوّة ، ولا سلاح إلّا العصى
الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 74
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٧٤