تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
لأمره ، حتّى سبقت فيكم دعوته ، وخذلكم اللّه بخذلانه إيّاه ، أيّ عذر لكم في الهرب عن عدوّكم ، والنكول عمّن لقيتم وقد عبروا خندقكم ، وعلوا قبائلكم ، ينتهبون أموالكم ، ويستحيون حريمكم ، هيهات لا عذر لكم إلّا العجز والمهانة ، والرضا بالصغار والذلّة ، إنّما أنتم كفيء الظلّ ، تهزمكم الطبول بأصواتها ، ويملأ قلوبكم الحرق بسوادها ، أما واللّه لأستبدلنّ بكم قوما يعرفون اللّه حقّ معرفته ، ويحفظون محمّدا في عترته . فقامت إليه جماعة من أهل الكوفة ، فقالوا : ما أنصفتنا في قولك ، ما أقدمت وأحجمنا ، ولا كررت وفررنا ، ولا وفيت وغدرنا ، ولقد صبرنا تحت ركابك ، وثبتنا مع لوائك ، حتّى أفنتنا الوقائع واجتاحتنا ، وما بعد فعلنا غاية إلّا الموت ، فامدد يدك نبايعك على الموت ، فو اللّه لا نرجع حتّى يفتح اللّه علينا أو يقضي قضاءه فينا . فأعرض عنهم ، ونادى في الناس بالخروج لحفر الخندق ، فخرجوا فحفروا وأبو السرايا يحفر معهم عامّة النهار ، فلمّا كان الليل خرج الناس من الخندق وأقام إلى الثلث الأوّل من الليل ، ثمّ عبّأ بغاله وأسرج خيله ، وارتحل هو ومحمّد بن محمّد بن زيد ، ونفر من العلويّين والأعراب ، وقوم من أهل الكوفة ، وذلك في ليلة يوم الأحد لثلاث ليلة مضت من المحرّم ، فأقام بالقادسيّة ثلاثا حتّى تتام أصحابه ، ثمّ مضى على خفان وأسفل الفرات حتّى صار على طريق البرّ . ووثب بالكوفة أشعث بن عبد الرحمن الأشعثي ، فدعا إلى هرثمة . وخرج أشراف أهل الكوفة إلى هرثمة ، فسألوه الأمان للناس ، فأجابهم إلى ذلك وتألّفهم ، ودخل المنصور بن المهدي الكوفة ، وأقام هرثمة خارجها ، وفرّق عسكره حوالي خندقها وأبوابها خوفا من الحيلة ، وخطب المنصور بن المهدي بالناس فصلّى بهم . وولي هرثمة غسّان بن الفرج الكوفة ، وأقام هو أيّاما بظهر البلد ، حتّى أمن الناس وهدأت قلوبهم من وحشة الحرب ، ثمّ ارتحل إلى بغداد . قالوا : ومضى أبو السرايا يريد البصرة ، فلقيه أعرابيّ من أهل البلد ، فسألوه عن الخبر ، وأعلمه غلبة السلطان عليه وإخراج عمّاله عنه ، وإنّ المسوّدة في خلق كثير لا يمكنه مقاومتهم منها ، فعدل عنها وأراد المسير نحو واسط ، فأعلمه الرجل أنّ صورة أمرها مثل ما ذكر له عن البصرة .