تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 40

مساهمون:

ص٤٠
فقال له أمير الركب : يا شريف أنت ابن بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله والخليفة ابن عمّك ، وأنا مملوك تركي لا أعلم من الأمور التي في الكتب ما علمت ، ولكنّي قد رأيت أنّ هذا من شرف العرب الذين يسكنون البوادي ، ونزعات قطّاع الطريق ومخيفي السبيل ، حاش للّه أن أحمل هذه الأبيات عنك إلى الديوان العزيز ، فأكون قد جنيت على بيت اللّه وبني بنت نبيّه ، ما العن عليه في الدنيا ، واحرق بسببه في الآخرة ، واللّه لو بلغ هذا إلى حيث أشرت لترك كلّ وجه ، وجعل جميع الوجوه إليك حتّى يفرغ منك ما لهذا ضرورة ، إنّه قد خطر لك أنّهم استدرجوك لا تسر إليهم ، ولا تمكّن من نفسك وقل جميلا ، وإن كان فعلك ما علمت . قال : فأصغى إليه أبو عزيز ، وعلم أنّه رجل عاقل ناصح ، ساع بخير لمرسله وللمسلمين ، فقال له : كثّر اللّه في المسلمين مثلك ، فما الرأي عندك ؟ قال : أن ترسل من أولادك من لا تهتمّ به إن جرى عليه ما يتوقّعه ، ومعاذ اللّه أن يجري إلّا ما تحبّه ، وترسل معه جماعة من ذوي الأسنان والهيئات من الشرفاء ، فيدخلون مدينة السلام ، وفي أيديهم أكفانهم منشورة ، وسيوفهم مسلولة ، ويقبلون العتبة ، ويتوسّلون برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وبصفح أمير المؤمنين ، وسترى ما يكون من الخير لك وللناس ، واللّه لئن لم تفعل هذا لتركبنّ الاثم العظيم ، ويكون ما لا يخفى عنك . قال : فشكره ووجّه صحبته ولده وأشياخ الشرفاء ، ودخلوا بغداد على تلك الهيئة التي رسم ، وهم يضجّون ويبكون ويتضرّعون ، والناس يبكون لبكائهم ، واجتمع الخلق كأنّه المحشر ، ومالوا إلى باب النوبي من أبواب مدينة الخليفة ، فقبلوا هنالك العتبة ، وبلغ الخبر الناصر ، فعفى عنهم وعن مرسلهم ، وأنزلوا في الديار الواسعة ، وأكرموا الكرامة التي ظهرت واشتهرت ، وعادوا إلى أبي عزيز بما أحبّ ، فكان بعد ذلك يقول : لعن اللّه أوّل رأي عند الغضب ، ولا عدمنا عاقلا ناصحا يثنينا عنه انتهى . وذكر ابن محفوظ أنّ قتادة أرسل إلى الخليفة ولده راجح بن قتادة في طلب العفو ، وكلامه يقتضي أنّ ذلك وقع بإثر الفتنة ، وذكر ابن الأثير ما يوافق ذلك ، وما ذكره ابن سعيد يقتضي أنّ ذلك بعد سنة من الفتنة ، واللّه أعلم . وقد ذكر قتادة جماعة من العلماء في كتبهم ، وذكروا ما فيه من الأوصاف المحمودة والمذمومة ، مع غير ذلك من خبره ، فنذكر ما ذكروه لما فيه من الفائدة .