فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه * والماء ما سحّت « 1 » به أجفانه
ثمّ استعاذ من القبيح وردّه * نحو العزاء عن الصبا ايقانه
وبدا له أنّ الذي قد ناله * ما كان قدّره له ديّانه
حتّى اطمأنّ « 2 » ضميره وكأنّما * هتك العلائق عامل وسنانه
يا قلب لا يهذب بحلمك باخل * بالنيل باذل تافه منّانه
يعد القضاء وليس ينجز موعدا * ويكون قبل قضائه ليّانه
خذل الشوى حسن القوام مخصّر * عذب لماه طيّب أردانه
واقنع بما قسم الإله فأمره * ما لا يزال على الفتى اتيانه
والبؤس ماض ما يدوم كما مضى * عصر النعيم وزال عنك أوانه
أخبرني عمّي ، قال : حدّثني أحمد بن أبي طاهر ، قال : كنت مع أبي عبد اللّه محمّد بن صالح في منزل بعض اخواننا ، فأقمنا إلى أن انتصف الليل ، وأنا أرى أنّه يبيت ، فإذا هو قد قام فتقلّد سيفه ، وخرج فأشفقت عليه من خروجه في ذلك الوقت ، وسألته المقام والمبيت ، وأعلمته خوفي عليه ، فالتفت إليّ متبسّما وقال :
إذا ما اشتملت السيف والليل لم أهل * لشيء ولم تقرع فؤادي القوارع
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي ، قال : حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال : مرّ محمّد بن صالح بقبر لبعض ولد المتوكّل ، فرأى الجواري يلطمن عنده ، فأنشدني لنفسه :
رأيت بسامرّاء صبيحة جمعة * عيونا يروق الناظرين فتورها
تزور العظام الباليات لدى الثرى * تجاوز عن تلك العظام غفورها
فلو لا قضاء اللّه أن تعمر الثرى * إلى أن ينادى يوم ينفخ صورها
لقلت عساها أن تعيش وأنّها * ستنشر من جرّا عيون تزورها
أسيلات مجرى الدمع أمّا تهلّلت * شؤون المآقي « 3 » ثمّ سحّ مطيرها
هامش
( 1 ) في الوافي : سمحت .
( 2 ) في المقاتل : استقرّ .
( 3 ) في المقاتل : الأماقي .