ومالك بن أنس ، وعبد اللّه بن عمر العمري ، ونظرائهم كثير عددهم .
ولمّا ظهر محمّد بن عبد اللّه بن الحسن ، وزحف إليه عيسى بن موسى ، جمع إليه وجوه الزيديّة ، وكلّ من حضر معه من أهل العلم ، وعهد إليه أنّه إن أصيب في وجهه ذلك فالأمر إلى أخيه ، فإن أصيب إبراهيم فالأمر إلى عيسى بن زيد .
وبإسناده عن يحيى بن الحسين بن زيد ، قال : قلت لأبي : يا أبة إنّي أشتهي أن أرى عمّي عيسى بن زيد ، فإنّه يقبح بمثلي أن لا يلقي مثله من أشياخه ، فدافعني عن ذلك مدّة ، وقال : إنّ هذا أمر يثقل عليه ، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهيّة للقائك إيّاه فتزعجه .
فلم أزل به اداريه وألطف به حتّى طابت نفسه لي بذلك ، فجهّزني إلى الكوفة ، وقال لي : إذا صرت إليها فاسأل عن دور بني حيّ ، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكّة الفلانيّة ، وسترى في وسط السكّة دارا لها باب صفته كذا وكذا ، فاعرفه واجلس بعيدا منها في أوّل السكّة ، فانّه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه ، قد أثّر السجود في جبهته ، عليه جبّة صوف يستقي الماء على جمل ، وقد انصرف يسوق الجمل ، لا يضع قدما ولا يرفعها إلّا ذكر اللّه عزّ وجلّ ، ودموعه تنحدر ، فقم وسلّم عليه وعانقه ، فإنّه سيذعر منك كما يذعر الوحش ، فعرّفه نفسك وانتسب له ، فإنّه يسكن إليك ويحدّثك طويلا ، ويسألك عنّا جميعا ، ويخبرك بشأنه ، ولا يضجر بجلوسك معه ، ولا تطل عليه وودّعه ، فإنّه سوف يستعفيك من العودة إليه ، فافعل ما يأمرك به من ذلك ، فإنّك إن عدت إليه توارى عنك واستوحش منك ، وانتقل عن موضعه وعليه في ذلك مشقّة .
فقلت : أفعل كما أمرتني . ثمّ جهّزني إلى الكوفة وودّعته وخرجت ، فلمّا وردت الكوفة قصدت سكّة بني حي بعد العصر ، فجلست خارجها بعد أن تعرّفت الباب الذي نعته لي ، فلمّا غربت الشمس إذ أنا به قد أقبل يسوق الجمل ، وهو كما وصف لي أبي لا يرفع قدما ولا يضعها إلّا حرّك شفتيه بذكر اللّه ، ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحيانا ، فقمت وعانقته ، فذعر منّي كما يذعر الوحش من الانس ، فقلت : يا عمّ أنا يحيى بن الحسين بن زيد ابن أخيك ، فضمّني إليه وبكى ، حتّى قلت : قد جاءت نفسه ، ثمّ أناخ جمله وجلس معي ، فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا ، وامرأة امرأة ، وصبيّا صبيّا ، وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي .
الكواكب المشرقة في أنساب وتاريخ وتراجم الأسرة العلوية الزاهرة — صفحة 709
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٧٠٩