وأكون المقدم ؛ فقال : لم يمت من رثي بمثل هذا الشعر .
وقال له الحسن بن وهب الكاتب - مع كونه في مقام شامخ من البلاغة - واصفا بيانه : الفضل لك إذ كنت تأتي به في غاية الاقتدار على غاية الاقتصار في منظوم الأشعار ، فتحلّ متعقّده وتربط متشرّده ، وتنظم أشطاره وتجلو أنواره ، وتفصّله في حدوده وتخرّجه في قيوده ، ثمّ لا تأتي به مهما اقتبسته مشتركا فتلبّس ولا متعقّدا فيطول ولا متكلّفا فيحول ، فهو كالمعجزة يضرب فيها الأمثال ويشرح لها المقال .
ولمّا أنشد أبو تمام المعتصم قوله : « السيف أصدق أنباء من الكتب » .
قال له المعتصم : لقد جلوت عروسك فأحسنت جلائها ؛ فقال : لو كانت من الحور العين لكان حسن إصغائك إليها من أوفى مهورها .
وقال له إبراهيم بن العبّاس ( وقد أنشده شعرا ) : يا أبا تمام امراء الكلام رعبّه لاحسانك .
وقال : اخترم أبو تمام وما استمتع بخاطره ولا نزح ركيّ فكره ، حتّى انقطع رشاء عمره .
وقال : أخذ قوله في بعض رسائله « فصار ما كان يحرزهم يبرزهم وما كان يعقلهم يعتقلهم » من معنى أبيات لأبي تمام « 1 » .
ونقل السيوطي في اقتراحه عن الكتاب - كتاب سيبويه - استشهاده ببيت من أبي تمام ، قائلا : وهو وإن كان محدّثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية ، فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه ، ألا ترى إلى قول العلماء : الدليل عليه بيت الحماسة ؟ فيقتنعون بذلك ، لمعرفتهم بروايته وإتقانه « 2 » .
وقد عرفت من النجاشي في كتبه كتاب الحماسة .
هامش
( 1 ) الأغاني : 16 / 383 - 399 .
( 2 ) الاقتراح في أصول النحو للسيوطي .