فيؤخذ من هذا القول ، أن جلود الكتب كانت في قديم الزمن يابسة صلبة لسوء دبغها ، ثم حسّن الناس دباغتها وصقلها فجعلوها لينة ناعمة الملمس . وقد بلغ من تجويدهم في هذه الصنعة أنهم أدخلوا عليها الزخرفة والتزويق والتذهيب بأساليب مختلفة .
ورد في أحداث سنة 309 ه ( 921 م ) ، وهي السنة التي اشتهر فيها أمر الحسين بن منصور الحلاج ، أن الوزير حامد بن العباس ، جدّ في طلب أصحاب الحلاج ، ومنهم ابن حماد والقنّائي . وكبس دار ابن حماد « فأخذت منه دفاتر كثيرة ، وكذلك من منزل القنائي . فكانت مكتوبة في ورق صيني وبعضها مكتوب بماء الذهب مبطنة بالديباج والحرير ، مجلدة بالأدم الجيد » « 1 » .
ولقد كان البشاري المقدسي ( المائة الرابعة للهجرة ) ، مؤلف « أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم » . ممن أحرز نصيبا وافرا في فن التجليد . وقد أشار إلى ذلك غير مرة في كتابه هذا ، قال : « وباليمن يلزقون الدروج ويبطنون الدفاتر بالنشا . وبعث إليّ أمير عدن مصحفا أجلده ، فسألت عن الأشراس بالعطارين ، فلم يعرفوه ، ودلّوني على المحتسب وقالوا عساه يعرفه . فلما سألته قال : من أين أنت ؟ قلت : من فلسطين . قال : أنت من بلدة الرخاء ، لو كان لهم أشراس لأكلوه عليك بالنشا . ويعجبهم التجليد الحسن ، ويبذلون فيه الأجرة الوافرة . وربما كنت اعطى على المصحف دينارين » « 2 » .
وذكر ابن النديم أسماء سبعة ممن اشتهر بتجليد الكتب إلى زمنه « 3 » .
وأحدهم كان يجلد الكتب في خزانة الحكمة ببغداد ، وسيجيء بنا ذكره .
ونقل الجاحظ في كتاب « فخر السودان على البيضان » قولهم : « وثلاثة أشياء جاءتكم من قبلنا ، منها : الغالية ، وهي أطيب الطيب وأفخره وأكرمه .
هامش
( 1 ) صلة تاريخ الطبري ( حاشية الصفحة 90 من طبعة دي غويه ) .
( 2 ) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم ( ص 100 طبعة دي غويه ) . وقد لمح المؤلف إلى اشتغاله بالتجليد في الصفحة 43 و 44 من كتابه أيضا .
( 3 ) الفهرست ( ص 10 فلوجل - 14 مصر ) .