كان البدء بتأسيس هذه الخزانة ، في عهد الخليفة هارون الرشيد ، على ما يؤخذ من أقوال ثقات المؤرخين . فقد ذكر ابن النديم في ترجمة « أبي سهل الفضل بن نوبخت » « 1 » انه « كان في خزانة الحكمة لهارون الرشيد » « 2 » .
وأشار في ترجمة « علّان الشعوبي » إلى أنه كان « منقطعا إلى البرامكة ، وينسخ في بيت الحكمة للرشيد والمأمون والبرامكة » « 3 » .
وذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمة يوحنا بن ماسويه ان الرشيد « قلده ترجمة الكتب القديمة مما وجده بأنقرة وعمورية وسائر بلاد الروم حين سباها المسلمون ، ووضعه أمينا على الترجمة ، وخدم هارون والأمين والمأمون ، وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل » « 4 » .
وهذه الخزانة الحافلة التي أسست في حياة هارون الرشيد ( خلافته 170 - 193 ه - 786 - 809 م ) ، كان قد علا شأنها وبلغت أوج عزها وازدهارها في خلافة المأمون ( 198 - 218 ه - 813 - 833 م ) . وقد امتاز المأمون على أكثر خلفاء بني العباس بثقافته الواسعة ، وبمحبته العظيمة للعلم وذويه ، وبميله الظاهر إلى الفلسفة . فلا غرو انه سعى لتوطيد أركان هذه الخزانة وتوسيعها وإغنائها بما استطاع جمعه من الكتب المختلفة .
قال ابن نباتة المصري ، في ترجمة « سهل بن هارون » « 5 » ، ان المأمون
هامش
( 1 ) منجم فارسي الأصل ، له نقول من الفارسي إلى العربي . ومعوله في علمه على كتب الفرس . راجع : الفهرست ( ص 274 فلوجل - 382 مصر ) ، واخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي ( ص 409 طبعة ليرت . ليبسك 1903 ) .
( 2 ) الفهرست ( ص 274 فلوجل - 382 مصر ) .
( 3 ) الفهرست ( ص 105 فلوجل - 154 مصر ) ، ومعجم الأدباء ( 5 : 66 ) .
( 4 ) عيون الأنباء ( 1 : 175 ) .
( 5 ) رجل فارسي الأصل ، اتصل بالمأمون فولاه خزانة الحكمة . وكان أديبا شاعرا حكيما شعوبيا يتعصب للعجم على العرب شديدا في ذلك . وكان مشهورا بالبخل وله في ذلك أخبار كثيرة . وقد صنف كتبا عديدة لم ينته الينا منها شيء سوى رسالته في مدح البخل ! توفي سهل بن هارون سنة 215 ه ( 830 م ) . راجع أخباره في -