وحظي عنده أهل هذه الصناعة ، وكان عنده في بغداد ساعيان ماهران وهما فضل وبرغوش » « 1 » .
ونظرا إلى ما لقيه هذان الرجلان من تقدير الناس وإعجابهم بهما ، فإنهما « فاقا جميع السعاة ، وكان كل واحد منهما يسير في اليوم نيفا وأربعين فرسخا » « 2 » .
فإذا اتبعنا قول بعضهم « 3 » أن الفرسخ يساوي خمسة كيلومترات وسبعمائة وثلاثة وستين مترا ، بلغ ما كان يقطع الواحد منهما في اليوم زهاء 230 كيلومترا ، وهي لعمري سرعة عظيمة لا تكاد تصدّق .
وروت بعض المراجع التاريخية بشأنهما أن قد « تعصّب لهما الناس ، وكان أحدهما ساعي السنّة والآخر ساعي الشيعة » « 4 » .
وممّن أدرك شهرة بعيدة بين السعاة ، بركة بن محمود الساعي . فقد روى ابن الفوطي في حوادث سنة 627 ه ( 1229 م ) أنّ فيها « توفي بركة بن محمود الساعي ، المشهور بالسعي والعدو . وكان من أهل الحربية « 5 » سعى من واسط إلى بغداد في يوم وليلة . ومن تكريت إلى بغداد في يوم واحد . وحصل له بسبب ذلك مال كثير وجاه عريض ، واتصل بخدمة الخليفة الناصر لدين اللّه وجعله أخيرا مقدّما لرجال باب الغربة « 6 » فكان على ذلك إلى أن توفي » « 7 » .
ولا يخفى أن المسافة بين واسط وبغداد بطريق السيارة تبلغ نحوا من 247 كيلومترا ، كما أن المسافة بين بغداد وتكريت بطريق السكة الحديدية تبلغ 107 أميال ، أي نحوا من 172 كيلومترا .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية في التاريخ لابن كثير ( 11 : 262 ) ومقالنا : الدار المعزية ببغداد ( مجلة الثقافة ، العدد 220 ، ص 16 ) .
( 2 ) تاريخ أبي الفداء ( 2 : 448 طبعةReiskeوهما فيه : فضل ومرعوش ) .
( 3 )Encyclope ? die de l'Islam , ( Art . Farsakh , II , 75 ) .( 4 ) الكامل في التاريخ لابن الأثير ( 8 : 425 طبعة تورنبرج ) .
( 5 ) من محلات بغداد القديمة ، لها ذكر في كتب البلدان والخطط والتاريخ .
( 6 ) بفتح أوله وثانيه . كان أحد أبواب دار الخلافة المعظمة ببغداد . راجع معجم البلدان ( مادة :
الغربة 3 : 783 طبعة وستنفلد ) .
( 7 ) الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ( ص 25 - 26 ) .