وإقبالهم على اقتنائها واختزانها في خزائن عامة وخاصة . وأخبار تلك الخزائن تفوق الحصر . وما نذكره في هذه النبذة ، إنما هو غيض من فيض .
فقد ذكر المقريزي ، أنه كان عند العزيز باللّه في مصر ، خزانة كتب يعز نظيرها على مدى الدهر . فذكر أمامه « كتاب العين للخليل بن أحمد ، فأمر خزان دفاتره ، فأخرجوا من خزانته نيفا وثلاثين نسخة من كتاب العين ، منها نسخة بخط الخليل بن أحمد . وحمل إليه رجل نسخة من كتاب تاريخ الطبري ، اشتراها بمائة دينار ، فأمر العزيز الخزان ، فأخرجوا من الخزانة ما ينيف عن عشرين نسخة من تاريخ الطبري ، منها نسخة بخطه .
وذكر عنده كتاب الجمهرة لابن دريد . فأخرج من الخزانة مائة نسخة منها » « 1 » . ولقد كانت هذه الخزانة من أحفل الخزائن بالكتب المخطوطة النفيسة ، فكان فيها من التصانيف العربية ما يتجاوز مائتي ألف مجلد في سائر العلوم والفنون المعروفة في ذلك العصر .
واشتهر الوزير جمال الدين القفطي ، المتوفى سنة 646 ه ، بحبه الشديد للكتب وكلفه بجمعها . فوصفه ياقوت الحموي - وكان معاصرا له - أنه كان « جماعة للكتب ، حريصا عليها جدا ، لم أر مع اشتمالي على الكتب وبيعي لها وتجارتي فيها ، أشد اهتماما منه بها ولا أكثر حرصا منه على اقتنائها ، وحصل له منها ما لم يحصل لأحد » « 2 » .
ومن كبريات الخزائن القديمة التي طار صيتها ، خزانة الصاحب بن عباد ، وخزانة القاضي الفاضل . فقد تجاوز عدد كتب كل منها مائة ألف مجلد . ونظيرها أبو مطرف القاضي بقرطبة : فقد جمع من الكتب في أنواع العلم ، ما لم يجمعه أحد من أهل عصره في الأندلس . وكان له ستة وراقين ينسخون له دائما « 3 » إن تلك المجاميع الهائلة العدد من الكتب المخطوطة القديمة ، قد تلف أكثرها بمرور الزمن ، وما نراه اليوم من عتائق المخطوطات في خزائن الكتب العربية في الخافقين ، ليس إلا جزءا صغيرا مما اشتملت عليه تلك الخزائن التي ألمعنا إلى بعضها « 4 » .
المكتبة 1 [ بغداد أيار / ماي 1961 ] السنة الثانية ص 14 - 15 .
هامش
( 1 ) خطط المقريزي 2 : 253 - 254 مطبعة النيل بالقاهرة .
( 2 ) معجم الأدباء 5 : 848 طبعة مرجليوث .
( 3 ) الصلة في تاريخ أئمة الأندلس لابن بشكوال 1 : 304 - 305 طبعة مدريد .
( 4 ) * لاحظ أيضا ما كتبه المؤلف في كتابه ( خزائن الكتب في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة ( بغداد - 1948 ) ومقدمة ( فهارس المخطوطات العربية في العالم ) ( الكويت 1984 ) .