11 - صيانة مدونات داريوش :
ويمكننا أن نعزو بقاء كتابات داريوش هنا ، إلى أنها حفرت على واجهة صخرية قائمة الانحدار ، بحيث أن التسلق إليها يعد من الأمور المتعذرة . ولكيما يجعل مدوناته بعيدة بقدر الإمكان عن أن تسطو عليها أيدي الأعداء وتنال منها مأربا ، فقد انتزع الزوائد الصخرية الكائنة تحت الكتابة ، فتكوّن من جراء ذلك جدار صخري أملس ، تعلوه الكتابات والصور . وهناك دلائل على أن الملك قد كوّن بعضا من الطرق للصعود إلى هذا الصخر بحيث يتاح للمارة أن يصعدوا ويتفرجوا على كتاباته ونقوشه . ولكن جميع تلك الطرق التي كانت مؤدية إلى الصخر قد انطمست معالمها الآن .
وقد كان لتحفظ الملك وبعد نظره التأثير الحسن في الإبقاء على المنحوتات والمدوّنات ، فنجت من التشويه والتلف الناجمين عن عبث يد الإنسان . ويمكننا القول بأن معظم التلف الذي أصابها إنما كان من تأثير العوامل الجوية ، ومن رشح الماء خلال طبقات الصخور المكوّنة للجبل .
ولم يقف عمل داريوش في إذاعة جبروته وعظمته في العالم عند هذه المنحوتات والمدونات ، بل أراد أن يعمل غيرها من النسخ ، لتصدّر وتذاع بين الشعوب البعيدة عن هذا الموقع ، والداخلة في امبراطوريته .
فقد كشف الدكتور كولدواي
R . Koldway
في بابل عن قطعة من الترجمة البابلية .
وإنا لنأمل في أن ما تمّ وما سيتمّ من الحفريات الأثرية في العراق وفارس يؤديان إلى اكتشاف نسخ أخرى تميط اللثام عن بعض المعميات التي تعتور النصوص الحالية .
والخلاصة ، أن هذا الملك العظيم ، قد دون انتصاراته في اللغات الثلاث ، التي كان لها أعظم الأهمية في العالم الشرقي وقتئذ ، ولم يكتف بهذا بل جعله مطلا على طريق رئيسية ، وعلى قطعة ترتفع خمسمائة قدم فوق مستوى سطح تلك الطريق وبالقرب من الماء أيضا ، فلا بد للمسافر من أن يستريح قليلا هنا ، فيتاح له عندئذ مشاهدة هذا الأثر مليا والتساؤل عن ماهيته .
الرسالة 3 [ القاهرة 1935 ] ع 81 ص 90 - 95 .