ذلك أن الإنسان لم يكن خلالها قد عرف الكتابة . فلم ينته إلينا شيء من الأسماء التي أطلقها على مدنه وقراه . بل إننا لنجهل بماذا كان يتحدث العراق في تلك العصور الخوالي .
فإن لغاته ذهبت بذهابه ، وسدل عليها ستار النسيان .
أما بعد أن توصل الإنسان في العراق إلى الكتابة ، وكان ذلك في نهاية الألف الرابع قبل الميلاد ، فالأمر سار على غرار آخر ، إذ أخذ البشر يدونون معارفهم شيئا فشيئا . وقد انتهت إلينا منها نصوص كثيرة لم يخل بعضها من ذكر أسماء أمكنة كثيرة .
وقد أخبرني الأستاذ الآثاري ثوركيلد ياكبسن ، وقد نقب في العراق سنين طويلة أن ما عثر عليه في الرقم المسمارية من أسماء المواضع القديمة في العراق وما جاوره ، لا يقل في جملته عن ستة آلاف موضع يدخل في ذلك أسماء المدن والقرى والقصور والمعابد والمقابر والأنهار والقنوات وما إلى ذلك من الأعلام الجغرافية .
مواضع عراقية تنتمي أسماؤها إلى لغات شتى
لا مراء في أن كثيرا من الأسماء الجغرافية في العراق ، عربي النجار . نذكر من ذلك :
المتوكلية ، الحديثة ، السماوة . وبعضها آرامي . والآراميون قوم سكنوا العراق وعرفوا فيما بعد بالسريان الذين تركوا طابعهم اللغوي في تسمية المواضع التي سكنوها ، وكثير من الأسماء الآرامية في العراق ، يبدأ بلفظة « با » التي هي اختصار « بيت » ، وهو اختصار قديم .
فقد ذكر ياقوت الحموي وغيره من المؤرخين والبلدانيين الذين ألفوا كتبهم باللغة العربية أسماء عشرات مواضع من هذا القبيل ، ولعل ما ورد في المصادر السريانية من تسميات أخرى يبلغ أضعاف ذلك .
فمما لا يزال قائما من هذه الأسماء نذكر : باعقوبا « 1 » ، باعشيقا « 2 » ، بأحزاني « 3 » ، بامرني « 4 » ، باصخرا « 5 » .
هامش
( 1 ) من بيت عاقوبا . ومعناه : موضع الفاحص أو المفتش أو المعقّب .
( 2 ) بيت الظالم أو الفاسد أو المتشامخ .
( 3 ) بيت الرؤية أو المشهد .
( 4 ) المحل الحصين .
( 5 ) من بيت سحرايا ، بمعنى أصحاب القصور . وقد ورد ذكرها في التاريخ الكنسي السرياني لابن العبري .