تمهيد :
هذا بحث لغوي تاريخي بلداني ، لا يعدو أن يكون « مقدمة » تمهيدية لدراسة معاني الأعلام الجغرافية في العراق . ونقصد بهذه الأعلام أسماء ما يرى فوق سطحه من عوارض طبيعية : كالجبال والتلال والأودية والسهول ، والصحارى ؛ وما يكون فيه من مياه :
كالأنهار والعيون والآبار والبحيرات ، وما يقوم فيه من آثار الحضارة والعمران كالمدن والقرى والحصون والقلاع والخانات والمزارات ، وغير ذلك مما يطول بنا سرده .
والباحث الذي يتصدى لتفسير معاني هذه الأعلام الجغرافية ، لا بد له من علم بطائفة من اللغات القديمة والحديثة ، ووقوف على تاريخ العراق في مختلف عصوره ، واطلاع على أحواله الطبيعية والاجتماعية .
ولتفسير أسماء المواضع في أي قطر من الأقطار العربية ، شأن بعيد . فمثل هذه الدراسة تفصح عن خفايا تاريخية ، وتفضي إلى نتائج جليلة ، قد تعيننا على استكناه شيء من ماضي ذلك القطر ، وربط ذلك بحاضره .
فكم من موضع في العراق ليس له ذكر في مؤلف من المؤلفات ، وليس فيه شيء من العاديات . فهذا النقص الظاهر يحضنا على أن نلتمس من اشتقاق اسمه أثرا لماضيه وأن نستمد من دراسة أصول اللغة ، الفوائد التي ضنّ بها علينا التاريخ وسائر المدونات القديمة .
وما يقال في هذا الشأن عن العراق مثلا ، يصدق على غيره من الأقطار العربية ، بل يمكن أن يعمم ، فيشمل سائر أنحاء المعمورة .
وإذا أردنا أن نحدد القول بالأقطار العربية دون غيرها ، قلنا إن الباحث اليوم لا يطمع في أكثر من تناول أسماء قطر عربي واحد ليتسنى له ، بعد البحث الطويل استقصاء معانيها وحل رموز ما أبهم منها .
إن تفسير تلك الأسماء قد يكشف عن شيوع لغة من اللغات في بعض ديار العراق وقد يلمح بعضها إلى حادثة تاريخية ، أو وقعة جرت في إحدى بقاعه . كما أن من تلك التسميات ما يدل على عبادات قديمة انتشرت في بعض أنحائه ، أو على عادات وتقاليد بادت بمر الزمن . أو على نظم سادت ثم زالت . فلا يدل عليها غير ما في أسمائها من بقايا لغوية تشير إلى ذلك الأمر .