- وقال ابن الجيّاب في الدّهر :
أرى الدّهر في أطواره متقلّبا ، * فلا تأمننّ الدهر يوما فتخدعا .
فما هو إلّا مثل ما قال قائل : * ( مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا ) « 1 »
- وقال في الهمّ والهرم :
وقائلة : لم عراك المشيب ؟ * وما إن بعهد الصّبا من قدم « 2 » !
فقلت لها : لم أشب كبرة ، * ولكنّه الهمّ نصف الهرم .
- وقال في مطلع قصيدة ( وهو غزل صوفيّ في الأكثر ) :
زارت تجرّر نخوة أذيالها * هيفاء تخلط بالنّفار دلالها « 3 » .
وافتك تمزج لينها بقساوة * قد أدرجت طيّ العتاب نوالها « 4 » .
كم رمت كتم مزارها ، لكنّه * صحّت دلائل لم تطق إعلالها « 5 » :
تركت على الأرجاء عند مسيرها * أرجا كأنّ المسك فتّ خلالها « 6 » .
يا حسن ليلة وصلها ، ما ضرّها * لو أتبعت من بعدها أمثالها ؟
هذا الربيع أتاك ينشر حسنه * فافسح لنفسك في مداه مجالها .
واخلع عذارك في البطالة جامحا * واقرن بأسحار الهنا آصالها « 7 » .
4 - * * الديباج المذهب 207 - 208 ؛ الكتيبة الكامنة 183 - 192 ؛ اللمحة البدرية
هامش
( 1 ) هذا الشطر من معلّقة امرئ القيس . المكرّ : الهاجم . المفرّ : الهارب ( الراجع ) . - هذا الحصان يرى لسرعته وكأنّه يروح ويجيء في وقت واحد : لا تكاد تراه ذاهبا حتّى تراه عائدا . و ( هنا ) هو كناية عن خداع الدهر لنا .
( 2 ) عرا الدهر الناس : أصابهم بأحداثه . « إن » زائدة .
( 3 ) النخوة : الحماسة ، التكبّر .
( 4 ) وافى : جاء ، وصل . أدرج فلان شيئا في شيء : أدخله . النوال : العطاء ( الوصال ) .
( 5 ) رام يروم : طلب . إعلالها ( كذا في الأصل ) . ولعلّ المقصود « كتمانها » .
( 6 ) أرجاء جمع رجا : ناحية . الأرج : الرائحة الطيّبة . فتّ الرجل المسك : طحنه ( وإذا طحن المسك زادت رائحته ، إذ تكثر سطوحه التي تلامس الهواء ، ثمّ يخفّ حمل دقائقه على الهواء ) .
( 7 ) العذار ( بالكسر ) : الشعر النابت على جانبي الوجه . والعذار : القسم من رسن الدابة والذي يوضع في رأسها . خلع الرجل عذاره : انغمس في الشهوات وترك الحياء ولم يبال بما يقول الناس فيه .