لقد أوردتني بعد ذلك كلّه * موارد ما ألفيت عنهنّ مصدرا « 1 » .
وكم كابدت نفسي لها من ملمّة * وكم بات طرفي من أساها مسهّرا « 2 » ؟
خليليّ ما بالي على صدق عزمتي * أرى من زماني ونية وتعذّرا ؟
وو الله ما أدري لأيّ جريمة * تجنّى ولا عن أي ذنب تغيّرا ؟
ولم أك عن كسب المكارم عاجزا * ولا كنت في نيل أنيل مقصّرا « 3 » .
لئن ساء تمزيق الزمان لدولتي * لقد ردّ عن جهل كثير وبصّرا « 4 »
وأيقظ من نوم الغرارة نائما * وكسّب علما بالزمان وبالورى « 5 »
- وقال في حال الدنيا :
تمرّ لداتي واحدا بعد واحد * وأعلم أنّي بعدهم غير خالد « 6 » .
وأحمل موتاهم وأشهد دفنهم * كأنّي بعيد عنهم غير شاهد .
فها أنا في علمي بهم وجهالتي * كمستيقظ يرنو بمقلة راقد « 7 » .
- وقال ، وفيه شيء من الفخر :
ذروني أجب شرق البلاد وغربها * لأشفي نفسي أو أموت بدائي « 8 » .
فلست ككلب السوء يرضيه مربض * وعظم ، ولكنّي عقاب سماء ،
تحوم لكيما يدرك الخصب حومها * أمام أمام أو وراء وراء .
وكنت إذا ما بلدة لي تنكّرت * شددت إلى أخرى مطيّ إبائي « 9 » ،
هامش
( 1 ) المورد : مكان شرب الماء . المصدر : الرجوع عن الماء ( بعد الشرب أو بعد للتزوّد بالماء ) .
( 2 ) الملمّة : النازلة ، المصيبة . طرفي : بصري ( عيني ) . الأسى : الحزن .
( 3 ) النيل ( العطا ) ، أنيل ( أعطي أنا ) .
( 4 ) كما أن ذهاب الملك عنّي قد ساءني من جانب فإنّه من الجانب الآخر قد علّمني أن أتّعظ بأحداثه .
( 5 ) الغرارة : الغفلة وحداثة السنّ . الورى : مجموع البشر .
( 6 ) تمرّ ( تموت ) .
( 7 ) يرنو : ينظر يتطلّع . مستيقظ يرنو بمقلة ( عين ) راقد ( نائم ) : يرى بعينيه من غير أن يعرف ما يرى .
( 8 ) ذر : دع . جاب : طاف .
( 9 ) المطيّ : ما يركبه الإنسان من الحيوان للانتقال من مكان إلى آخر . الإباء : الترفّع عن الأمور الدنية .