3 - مختارات من آثاره
- قال محمّد بن حارث الخشنيّ في مقدّمة كتاب « القضاة » ، بعد أن ذكر اهتمام الأمير الحكم المستنصر « 1 » بالعلوم وتدوينها وأنه هو الذي أمر بتأليف هذا الكتاب :
لمّا كان القاضي أعظم الولاة خطرا بعد الإمام الذي جعله اللّه زماما للدين وقواما « 2 » للدنيا ، لما يتقلّده القاضي من تنفيذ الأحكام في الدماء والفروج والأموال والأعراض « 3 » وما يتّصل بذلك من ضروب المنافع ووجوه المضارّ ، وكانت العقبى من اللّه في ذلك فظيعة المقام هائلة الموقف مخوفة المطلع « 4 » ، اختلفت في ذلك الهمم من عقلاء الناس وعلمائهم . فقبل كثير منهم القضاء رغبة في شرف العاجلة « 5 » ورجاء لمعونة اللّه عليه واتّكالا على سعة عفوه فيه ، ونفر آخرون منه رهبة من مكروه الآجلة « 6 » وحذارا من اللّه فيما يكون منهم وعلى أيديهم . وقد سلف من رجال الأندلس ، من أهل حاضرتها العظمى « 7 » ، رجال دعوا إلى القضاء فلم يجيبوا رهبة . . . من منتظر العاقبة « 8 » . وقد رأيت أن أدوّن ذكرهم وأصف مقاماتهم بين يدي خلفائهم وإشفاقا ممّا دعاهم إليه أمراؤهم ، وأن أجعل لذلك بابا في صدر الكتاب « 9 » ، ثمّ أصير
هامش
( 1 ) الحكم المستنصر كان ابن عبد الرحمن الناصر ( 300 - 350 ه ) وخليفته .
( 2 ) الخطر : القيمة المكانة ، الشرف . زمام : رسن ، قياد ، ضابط . القوام : النظام ، الأصل ، العماد .
( 3 ) في الدماء ( القصاص على القتل والجروح ) والفروج ( الزواج والطلاق وما يتعلّق بهما ) والأموال ( الزكاة والصدقات والضرائب ) والأعراض ( جمع عرض بكسر العين : شرف الإنسان ثمّ جمع عرض بفتح ففتح : البضائع ، وهي المقصودة هنا : أي أمور التجارة من البيع والشراء الخ ) .
( 4 ) ضروب : أنواع . العقبى : النتيجة ( ما يصير إليه الإنسان في الآخرة ) . فظيعة : شديدة ، شنيعة .
المطلع : المظهر .
( 5 ) العاجلة : الدنيا .
( 6 ) الآجلة : الآخرة ( يوم القيامة ) .
( 7 ) سلف : مضى ( عاش قبل أيامنا ) . الحاضرة : العاصمة ( فرطبة ) .
( 8 ) خوفا من الحساب على أعمالهم يوم القيامة .
( 9 ) واشفاقا ( العطف هنا غير واضح ) . صدر : أوّل .