- من أرجوزة ابن عبد ربه :
سبحان من لم تحوه أقطار * ولم تكن تدركه الأبصار ؛
ومن عنت لوجهه الوجوه ، * فما له ندّ ولا شبيه « 1 » .
لكنّه يدرك بالقريحه * والعقل والأبنية الصحيحة « 2 » .
معرفة العقل من الانسان * أثبت من معرفة العيان .
وبعد حمد اللّه والتمجيد * وبعد شكر المبدئ المعيد « 3 » ،
أقول في أيام خير الناس * ومن تحلّى بالنّدى والباس « 4 » ،
ومن أباد الكفر والنّفاقا * وشرّد الفتنة والشّقاقا ،
ونحن في حنادس كالليل * وفتنة مثل غثاء السّيل « 5 » ،
حتى تولّى عابد الرحمن * ذاك الأغرّ من بني مروان .
قد أشرقت بنوره البلاد * وانقطع التشغيب والفساد .
خليفة اللّه الذي اصطفاه * على جميع الخلق واجتباه « 6 » .
أحيا الذي قد مات من مكارم * من عهد كعب وزمان حاتم « 7 » .
هو الذي جمّع شمل الأمة * وجاب عنها دامسات الظّلمه « 8 » ،
هامش
( 1 ) عنا يعنو : خضع . الند : المثيل .
( 2 ) القريحة : المقدرة على إدراك الأمور والحكم عليها . الأبنية الصحيحة : مقدمات المنطق ، خطوات التفكير المنظم .
( 3 ) المبدئ والمعيد : اللّه ( هو بدأ الخلق أول مرة وهو سيعيد الناس إلى الحياة يوم القيامة ) .
( 4 ) الندى : الكرم . البأس : القوة .
( 5 ) الحندس ( بضم فسكون فضم ) : اشتداد الظلام . غثاء السيل : الأقذار الخفيفة التي يجرفها السيل فتطفو على سطحه . المقصود في الأصل بهذه الاستعارة : الضعف والشيء لا قيمة له . والشاعر يقصد ( أن الفتن ) كثيرة شديدة متلاحقة .
( 6 ) اصطفاه : اختاره . اجتباه : قرّبه .
( 7 ) كعب بن مامة وحاتم الطائي من الأجواد ( من الكرماء ) في الجاهلية .
( 8 ) الدامس : المظلم . جاب ليست في القاموس بالمعنى الذي أراده الشاعر . هو يقصد « أزاح » .