ثمّ أحذّركم أهل البدع الذين لم يعرفوا حقّا فيتّبعوه ولم يلقوا أهل العلم فيقتبسوا منهم الدين . عاشوا مع أهل الجهل فخلا بهم الشيطان ونفخ في قلوبهم الكبر وأورثهم العجب فاستحيوا « 1 » أن يقولوا فيما لا يعلمون « لا نعلم » . فأفتوا برأيهم « 2 » أقواما جهلة لا يعرفون ما يقال لهم : قلّدوهم « 3 » دينهم وألزموا أنفسهم الرأي فاتّبعوهم على بدعتهم فضلّوا وأضلّوا كثيرا وضلّوا عن سواء السبيل . . .
فاحذروا ، معاشر المسلمين ، من كانت هذه صفته ومن حلّ بهذه المنزلة ورضيها لنفسه . واعلموا أنّ من كان كهذا فقد صار من حزب الشيطان وأوليائه . . .
هذا ، وقد بالغت إليكم في النصيحة وشرحت لكم الموعظة ورضيت لكم بما رضيت به لنفسي ونهيتكم عمّا أنهى عنه نفسي نصيحة للّه واجتهادا في طلب رضائه . . .
- فضل العلم . قال من قصيدة له :
للّه عصبة أهل العلم إنّ لهم * فضلا على الناس غيّابا وحضّار « 4 » .
العلم علم ، كفى بالعلم مكرمة . * والجهل جهل ، كفى بالجهل إدبار « 5 » .
للعلم فضل على الأعمال قاطبة ؛ * عن النبيء روينا فيه أخبار « 6 » .
يقول : طالب علم بات ليلته * في العلم أعظم عند اللّه أخطارا
من عابد سنة للّه مجتهدا * صام النهار وأحيا الليل إسهارا .
وقال : إنّ مداد الطالبين على * ثيابهم وعلى القرطاس أسطارا « 7 » .
هامش
( 1 ) الكبر : الجبر والتعاظم على الناس . العجب : الزهو ( الافتخار ) بالنفس . استحيا : غلبه الحياء أو الخجل .
( 2 ) أفتى برأيه : فسّر أمور الدين بعقله هو من غير رجوع إلى القرآن أو الحديث أو أعمال الصحابة .
( 3 ) الملموح هنا أن العامّة من الناس تابعوا الفقهاء في الاعتقاد والعبادات . ويمكن أن تعني أن الفقهاء قلّدوا العامّة الدين ( فرضوه عليهم - جعلوه كالقلادة في أعناقهم ) .
( 4 ) إنّك تستفيد من العالم إذا حضرت عليه شخصيّا أو إذا قرأت في كتبه ( ولو بعد موته ) .
( 5 ) الإدبار : تولي ( ذهاب ) النجاح والتوفيق عن الإنسان .
( 6 ) وصل إلينا عن النبيّ أحاديث في فضل العلم .
( 7 ) المداد : الحبر . الطالبون : طالبو العلم ( التلاميذ ) . القرطاس : الورق . الأسطار : السطور .
- إنّ الحبر سواء أكتبت به سطورا من العلم أو سقط على الثياب خطأ . . .