وبعد ، فإنّه لمّا أخّرت الفضائل عن الرذائل وقدّمت الأواخر على الأوائل ، ونبذ عهد القدماء وجهل قدر العلماء . . . . . وظهر عظيم الإجلال بالأسماء لا بالأفعال . . . . أخملت عند ذلك ذكري وقدري وأخفيت من نظمي ونثري ، . . . . . وقلت : أصبر على كيد الزمان وكدّه ، فعسى اللّه أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده « 1 » :
فلو لم يعل إلّا ذو محلّ * تعالى الجيش وانحطّ القتام « 2 » .
إلى أن بلغني ممّن يعوّل عليه ويرجع في القول إليه أنّه أنشد عنده بيت الوليد « 3 » يشهد له بالفصاحة والتجويد ، وهو قوله :
إذا محاسني اللائي أدلّ بها * صارت ذنوبي ، فقل لي كيف أعتذر .
فقال ( ابن النابلسي ) مقال المفتري : كم قد خرينا على البحتري . فصبرت قلبي على أذاته وأغضيت جفني على قذاته . حتّى ابتدرني بالبادرة التي يقصر عنها لسان الحادرة « 4 » . فلو كان النابلسيّ كابن هاني الأندلسيّ « لزلزلت
الْأَرْضُ زِلْزالَها وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها »
« 5 » . فيا للّه العجب : متى أشرفت الظلمة على الضياء أو علت الأرض على السماء ؟ . . . . .
وما ذلك التيه والصلف والتجاوز للحدّ والسرف « 6 » . . . وكلّما أعظم من غير عظم وأكرم من غير كرم شمخ بأنفه وطال ، وتطاول إلى ما لن ينال . . . . ولا ، واللّه ، ليس الأمر كما زعم ولا الشعر كما نظم ، ولكنّها المكارم السلطانيّة الملكيّة الظاهريّة « 7 » التي نوّهت بذكره فسترها ، ورفعت من قدره فكفرها . . . . . وقصدت قصيدة من شعره يزعم أنّها من قلائده قد
هامش
( 1 ) كده : تعبه ، مصاعبه . « أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده » ( من عند اللّه ) تضمين من القرآن الكريم ، ( كناية عن انتظار الفرج ) .
( 2 ) البيت للمتبني . القتام : الغبار ( الذي يثور من وقع أقدام الخيل في المعارك ) .
( 3 ) ان الرجل الذي يعتمد عليه أنشد عند ابن النابلسي بيتا للوليد بن عبادة البحتري .
( 4 ) ابتدرني : تلقاني ، جبهني . الحادرة والحويدرة لقبان لقطبة بن أوس بن محصن وهو شاعر جاهلي له شيء من الهجاء الأغاني ( 3 : 270 - 275 ) .
( 5 ) إذا زلزلت الأرض . . أثقالها ( من القرآن الكريم ، السورة 99 ، الزلزال ) .
( 6 ) التيه ( بفتح التاء وكسرها ) والصلف : التكبر . السرف : الإسراف .
( 7 ) الظاهرية : نسبة إلى الخليفة العباسي محمد الظاهر بأمر اللّه ( 622 - 623 ه ) .