فيقول ( ابن القارح ) - وفّر اللّه قسمه من الثواب - : فلعلّك ، يا أبانا ، قلته ثم أنسيته ، فقد علمت أنّ النسيان متسرّع إليك . وحسبك شهيدا على ذلك الآية المتلوّة في فرقان محمد صلّى اللّه عليه :
« وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ، وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً » .
وقد زعم بعض العلماء أنك إنما سمّيت إنسانا لنسيانك ، واحتجّ على ذلك بقولهم في التصغير : أنيسان ، وفي الجمع : أناسيّ . وقد روي أنّ الإنسان من النسيان عن ابن عبّاس . وقال الطائيّ « 1 » :
لا تنسين تلك العهود ، فإنما * سمّيت إنسانا لأنك ناس .
وقرأ بعضهم :
« ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »
« 2 »
،
بكسر السين ، يريد :
الناسي ، فحذف الياء كما حذفت في قوله :
« سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ »
« 3 » . فأما البصريون فيعتقدون أن الإنسان من الأنس ، وأنّ قولهم في التصغير « أنيسان » شاذّة ، وقولهم في الجمع : « أناسيّ » أصله « أناسين » ، فأبدلت الياء من النون .
والقول الأول أحسن .
فيقول آدم - صلّى اللّه عليه - : أبيتم إلّا عقوقا وأذيّة . إنما كنت أتكلّم بالعربية وأنا في الجنة ، فلمّا هبطت إلى الأرض نقل لساني إلى السريانية ، فلم أنطق بغيرها إلى أن هلكت . فلما ردّني اللّه - سبحانه وتعالى - إلى الجنة عادت إليّ العربية . فأيّ حين نظمت هذا الشعر : في العاجلة أم الآجلة ؟ « 4 » والذي قال ذلك يجب أن يكون قاله وهو في الدار الماكرة « 5 » ، ألا ترى قوله « منها خلقنا وإليها نعود » ؟ فكيف أقول هذا المقال ولساني سريانيّ ؟ وأما الجنة قبل أن أخرج منها فلم أكن أدري بالموت فيها ، وأنه مما حكم على العباد وصيّر كأطواق حمام « 5 » ،
هامش
( 1 ) أبو تمام .
( 2 ) سورة البقرة ( 2 : 199 ) . - الخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى قريش وكنانة ، وكانت هاتان القبيلتان تذهبان مذهب الحمية وتعدان نفسهما فوق سائر العرب ، فكان القرشيون والكنانيون لا يشاركون الناس في المصير إلى سهل عرفات ، بل يبقون في مزدلفة . فقال لهم اللّه« ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ »( بضم السين ) .
( 3 ) سورة الحج ( 22 : 25 ) . - المعنى : أن البيت الحرام ( في مكة ) مكان أمن وسلام لجميع الناس :
للعاكف ( الساكن المستقر ) في مكة ، وللباد : البادي ، الساكن في البادية ( الذي يأتي أحيانا لزيارة البيت الحرام ) .
( 4 و 5 ) العاجلة والماكرة : الدنيا . الآجلة : الآخرة .
( 5 ) طوق الحمامة : ريش ملون حول عنق الحمامة يشبه العقد للمرأة . صير كأطواق حمام : لازما ، لا يتبدل ولا يتغير ( كتب الموت على جميع الناس ) .