يعلّلها نطاسيّ الشكايا * وواحدها نطاسيّ المعالي « 1 » .
إذا وصفوا له داء بثغر * سقاه أسنّة الأسل الطوال « 2 » .
وليست كالإناث ولا اللواتي * تعدّ لها القبور من الحجال « 3 » .
مشى الأمراء حوليها حفاة * كأن المرو من زفّ الرئال « 4 » .
وما التأنيث لاسم الشمس عيب ، * ولا التذكير فخر للهلال .
ولو كان النساء كمن فقدنا * لفضّلت النساء على الرجال .
يدفّن بعضنا بعضا ، ويمشي * أواخرنا على هام الأوالي « 5 » .
أسيف الدولة ، استنجد بصبر . * وكيف بمثل صبرك للجبال !
وفي سنة 350 ه ( 961 م ) توفّي أبو شجاع فاتك ، وكان قائدا زميلا وصديقا لكافور ، فلما استبدّ كافور بحكم مصر وقعت الوحشة بينهما فاعتزل فاتك إلى ضيعة له بالفيّوم . ونمت الصداقة بين المتنبّي وفاتك لكرههما كافورا . والمتنبّي يرثي فاتكا بالشجاعة والكرم وسموّ الهمّة ويستطرد إلى الوعظ والحكمة :
الحزن يقلق والتجمّل يردع ، * والدمع بينهما عصيّ طيّع .
أني لأجبن عن فراق أحبّتي ، * وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع .
تصفو الحياة لجاهل أو غافل * عمّا مضى فيها وما يتوقّع ،
ولمن يغالط في الحقائق نفسه * ويسومها طلب المحال فتطمع .
أين الذي الهرمان من بنيانه : * ما قومه ؟ ما يومه ؟ ما المصرع ؟
تتخلّف الآثار عن أصحابها * حينا ، ويدركها الفناء فتتبع .
يا من يبدّل كلّ يوم حلّة ، * أنّى رضيت بحلّة لا تنزع !
هامش
( 1 ) يعللها : يداويها . نطاسي الشكايا : الطبيب . النطاسي : العالم ( الطبيب البارع القدير ) . واحدها ابنها الوحيد ( لم يكن لها ابن غيره ) .
( 2 ) - إذا ثارت فتنة في ثغر ( تخم من تخوم بلاده ) داواه بالرماح الطويلة ( بالحرب ) .
( 3 ) الحجال جمع حجلة ( بفتح ففتح ) : ستر المرأة .
( 4 ) المرو : الحصا . زف الرئال : ريش النعام .
( 5 ) - يدفن المتقدمون تحت الأرض ثم يسير المتأخرون ( الاحياء ) فوق الأرض ، كأنهم يسيرون فوق هام ( رؤوس ) الذين سبقوهم في الحياة .