- ان تطل لحية عليك وتعرض * فالمخالي معروفة للحمير .
علّق اللّه في عذاريك مخلا * ة ولكنها بغير شعير « 1 » .
لو غدا حكمها إليّ لطارت * في مهبّ الرياح كلّ مطير .
لحية أهملت فسالت وفاضت * فإليها تشير كفّ المشير .
- وصلعة لأبي حفص ممرّدة * كأنّ صفحتها مرآة فولاذ « 2 » .
ترنّ تحت الأكفّ الواقعات بها * حتى ترنّ بها أكناف بغداذ .
ليس في غزل ابن الرومي من البراعة سوى ما فيه من الوصف . أما نسيبه فرقيق عذب شديد الأثر في النفس بادي الصدق :
أعانقها والنفس بعد مشوقة * إليها ، وهل بعد العناق تدان ؟
وألثم فاها كي تزول حرارتي * فيشتدّ ما ألقى من الهيمان « 3 » .
وما كان مقدار الذي بي من الجوى * ليشفيه ما تلثم الشّفتان .
كأنّ فؤادي ليس يشفي غليله * سوى أن يرى الرّوحين يمتزجان !
رثاء ابن الرومي قسمان : قسم قاله الشاعر في أهله ، وقسم قاله في غير أهله . فأمّا هذا الأخير ففيه تكلّف كثير وهو مجرد من العاطفة . وأما رثاؤه في أهله فشعر صحيح فيه عاطفة ولوعة ، وفي أثنائه تحليل بارع .
وابن الرومي في رثائه هذا يحلّل ما يشعر هو به في ساعة الرزء وبعدها :
ان رثاءه صورة صادقة لنفسه في الدرجة الأولى ثم للميت في الدرجة الثانية .
والعجيب أن فن ابن الرومي يتغلب على عاطفته حتى في رثاء أولاده ، فإنك إذا قرأت مرثيته في ابنه الأوسط - وهي أجلّ مراثيه - رأيت العبقرية الفنية تطغى على عاطفة الأبوّة : بدأ بخطاب عينيه ثم وصف المرض الذي مات به ابنه . بعدئذ ذكر شعوره هو نحو الموت عموما ونحو ابنه :
بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي ، * فجودا فقد أودى نظيركما عندي « 4 » .
هامش
( 1 ) العذاران : منبتا الشعر على جانبي الوجه .
( 2 ) ممردة : مبلطة .
( 3 ) الهيمان : الحب أو أشد الحب .
( 4 ) يجدى : يفيد . نظيركما : شبيهكما ، مثيلكما في القيمة .