توخّى حمام الموت أوسط صبيتي ، * فلله كيف اختار واسطة العقد « 1 » ،
طواه الرّدى عني فأضحى مزاره * بعيدا على قرب قريبا على بعد !
لقد قلّ بين المهد واللحد لبثه ، * فلم ينس عهد المهد إذ ضم في اللحد .
ألحّ عليه النّزف « 2 » حتّى أحاله * إلى صفرة الجاديّ عن حمرة الورد .
عجبت لقلبي كيف لم ينفطر له * ولو أنّه أقسى من الحجر الصلد .
وأولادنا مثل الجوارح ، أيّها * فقدناه كان الفاجع البيّن الفقد « 3 » ؛
لكلّ مكان لا يسدّ اختلاله * مكان أخيه من جزوع ولا جلد « 4 » :
هل العين بعد السّمع تكفي مكانه ، * أم السمع بعد العين يهدي كما تهدي ؟
لابن الرومي أبيات في الأدب أو الحكمة ترد متفرقة في قصائده :
- فما كلّ من حطّ الرحال بمخفق ، * ولا كلّ من شدّ الرحال بكاسب « 5 » .
أرى المرء مذ يلقى التراب « 6 » بوجهه ، * إلى أن يوارى فيه ، رهن النوائب .
- ومحال أن يسعد السعداء الده * ر إلّا بشقوة الأشقياء .
- إنّ من لام جاهلا لطبيب * يتعاطى علاج داء عياء « 7 » .
- وإذا ما مخابر الناس غابت * عنك فاستشهد الوجوه الوضاء « 8 » .
ولكنّ له أيضا حكما ترد في قطع مستقلة أو شبه مستقلة وتمثل فكرة واحدة أو فكرا متقاربة . بهذه الحكم التي ترد مجموعة مستوفاة في مكان واحد اشتهر ابن الرومي وامتاز من سائر أقرانه . من ذلك قوله :
هامش
( 1 ) توخى : طلب . واسطة العقد . اللؤلؤة الكبرى التي تكون في أوسط العقد .
( 2 ) النزف : نزيف الدم من الجسم . الجادي : الزعفران ، وهو أصفر اللون .
( 3 ) الجوارح : الأعضاء كالأيدي والأرجل والعيون . . . الخ .
( 4 ) الجزوع : الحزين ، الكثير التأثر . الجلد : الصبور ، المتحمل للمصائب والمشاق .
( 5 ) ما كل من لزم بلده افتقر ، ولا كل من سافر إلى مكان بعيد اغتنى .
( 6 ) يلقى التراب بوجهه : يولد .
( 7 ) الداء العياء : المستعصي على الطب . - الجاهل لا يفهم النصيحة .
( 8 ) كان ابن الرومي من الذين يعتقدون ان حسن الخلق تابع لحسن الوجه ، وسوء الخلق تابع لقبح الوجه .