فلا تأسفنّ على ما مضى ، * ولا يحزننّك ما يدبر ؛
فإنّ الحوادث تبلي الفتى ، * وإن الزمان به يعثر :
فيوما يساء بما نابه ، * ويوما يسرّ فيستبشر .
وما كنت في الحرب ، إذ شمّرت ، * كمن لا يذيب ولا يخثر « 1 » .
ولكنّني كنت ذا مرّة * عطوفا إذا هتف المحجر « 2 » .
أجيب الصريخ إذا ما دعا ، * وعند الهياج أنا المسعر « 3 » .
فان أمس قد لاح فيّ المشي * ب ، أمّ البنين ، فقد أذكر
رخاء من العيش كنّا به * إذ الدهر خال لنا مصحر « 4 » ،
وإذ أنا في عنفوان الشبا * ب يعجبني اللهو والسّمر « 5 » ،
أصيد الحسان ويصطدنني ، * وتعجبني الكاعب المعصر .
وبيضاء مثل مهاة الكثي * ب لا عيب فيها لمن ينظر « 6 » .
كأن جنى النحل والزنجبي * ل والفارسيّة « 7 » إذ تعصر .
يصبّ ، على برد أنيابها ، * مخالطه المسك والعنبر .
فتور القيام ، رخيم الكلا * م يفزّعها الصوت إذ تزجر .
فتلك التي شفّني حبّها * وحمّلني فوق ما أقدر .
فلا تعذلاني في حبّها ، * فإنّي بمعذرة أجدر .
ولم تكن من حاجتي مكّران « * » * ولا الغزو فيها ولا المتجر .
وخبّرت عنها ، ولم آتها ، * فما زلت من ذكرها أذعر :
هامش
( 1 ) شمرت : اشتدت . لا يذيب ولا يخثر ( يجمد ) كناية عن الحيرة والتردد .
( 2 ) المرة : الشدة والقوة . عطوفا ( بحصاني إلى نجدة ) المحجر ( لعلها بضم الميم وفتح الجيم : الذي حصر في المعركة واشتد ضيقه ) إذا هتف ( نادى ، استنجد ) .
( 3 ) الصريخ : المناداة بالحرب . الهياج : الحرب . المسعر : موقد النار ومضرمها ( أنا الذي أحفظ على المحاربين حميتهم في أثناء المعارك ) .
( 4 ) مصحر : متسع وبعيد عن الناس ( الرقباء ) .
( 5 ) السمر ( بتشديد الميم ) جمع سامر : الساهر بالليل للحديث .
( 6 ) المهاة : الظبية . الكثيب : تلة الرمل .
( 7 ) الخمر .
( * ) كذا في الأغاني ( 6 : 40 ) بضم الميم .