الأصدقاء منهم ، قد تخلّوا عنه وانه يرجو العفو من الرسول . وفي مطلع القصيدة غزل تقليدي وكلام على الوعد والخلف به :
وما سعاد غداة البيّن إذ رحلوا * إلا أغنّ غضيض الطرف مكحول « 1 » .
أكرم بها خلّة لو أنها صدقت * موعودها أو لو أن النصح مقبول « 2 » .
لكنّها خلّة قد سيط من دمها * فجع وولع وإخلال وتبديل .
فما تدوم على حال تكون بها * كما تلوّن في أثوابها الغول « 3 » .
ولا تمسّك بالوعد الذي زعمت * إلّا كما يمسك الماء الغرابيل .
فلا يغرّنك ما منّت وما وعدت ؛ * إنّ الامانيّ والأحلام تضليل .
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا ؛ * وما مواعيدها الا الأباطيل .
أمست سعاد بأرض لا يبلّغها * الا العتاق النجيبات المراسيل « 4 » .
ولن يبلّغها الا عذافرة * لها على الأين إرقال وتبغيل « 5 » .
تسعى الوشاة بجنبيها ، وقولهم : * إنك ، يا ابن أبي سلمى ، لمقتول !
وقال كل خليل كنت آمله : * لا ألهينّك ، إني عنك مشغول .
فقلت : خلّوا سبيلي ، لا أبا لكم ، * فكل ما قدّر الرحمن مفعول .
كل ابن أنثى ، وان طالت سلامته ، * يوما على آلة حدباء محمول « 6 » .
أنبئت أن رسول اللّه أوعدني ، * والعفو عند رسول اللّه مأمول .
مهلا ، هداك الذي أعطاك نا * فلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل ،
لا تأخذنّي بأقوال الوشاة ، ولم * أذنب ، وان كثرت فيّ الأقاويل .
لقد أقوم مقاما لو يقوم به * أرى واسمع ما لو يسمع الفيل ،
لظلّ يرعد إلّا أن يكون له * من النبي بإذن اللّه تنويل « 7 » .
هامش
( 1 ) الاغن : الذي في صوته غنة ( لحن كأنه يخرج من أنفه ) . غضيض الطرف : فاتر اللحظ منكسر البصر يتطلع إلى الأرض . المكحول : من كان فيه كحل ( بفتح الكاف والحاء ) طبيعي : سواد على أطراف جفونه حيث تلتقي إذا أطبقها ( يشبه الشاعر حبيبته بالغزال الصغير ) .
( 2 ) الخلة : الصديقة . . . . لو أن النصح ( في تركها ) مقبول .
( 3 ) زعم العرب القدماء أن الغول تظهر للناس في ألوان مختلفة .
( 4 ) المرسال : الناقة الخفيفة الجري .
( 5 ) العذافرة : الناقة الغليظة الشديدة . الأين : التعب . الارقال : الإسراع صعدا . التبغيل : جري وسط في السرعة .
( 6 ) الحدباء : المعوجة ، نعش ( يقصد : كل إنسان سيموت ) .
( 7 ) يرعد ( بالبناء للمجهول ) : يرتجف . التنويل : العطاء والمنة ( يقصد : العفو عني ) .